أم الخبائث

الحمد لله والصلاة على رسول الله وبعد ..

فيقول الله سبحانه : ( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ) [ التوبة:33] .

بعث الله تعالى رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم بالهدى وهو العلمُ النافع ، ودينِ الحق وهو العملُ الصالح ، مشتملا ذلك على بيان الحق من الباطل في أسماء الله وأوصافه وأفعاله ، وفي أحكامه وأخباره ، والأمرِ بكل مصلحة نافعة للقلوب ، والأرواح والأبدان من إخلاص الدين لله وحده ، ومحبةِ الله وعبادته ، والأمرِ بمكارم الأخلاق ومحاسن الشيم ، والأعمالِ الصالحة والآداب النافعة ، والنهيِ عن كل ما يضاد ذلك ويناقضه من الأخلاق والأعمال السيئة ، المضرةِ للقلوب والأبدان والدنيا والآخرة .

جاء الرسولُ صلى الله عليه وسلم بالدين الحق الذي يأمر بكل ما فيه مصلحةٌ ، وينهى عن كل ما فيه مفسدةٌ ، جاء هذا الدين موافقا للعقول الصريحة ، فصريحُ المعقول يوافق صحيحَ المنقول .

جاء هذا الدين بثوابتَ وأصول ، لا خلاف فيها في أصول الواجبات وأصول المحرمات ، وإن من الغريب في هذا الزمن الغريب العجيب أن تجد بعضَ الناس – هداهم الله – يماري ويجادلُ في أصول هذا الدين التي لا خلاف فيها ، ويطعنُ في صحتها ، ويشككُ في ثبوتها ، مع أن أدلتَها أوضحُ من الشمس في رائعة النهار.

أيها الأخوة … ومن الأصول التي بينتها الشريعةُ وأجمعت عليها الأمةُ معصيةٌ من أكبر الكبائر ، وموبقةٌ من أعظم الموبقات : إنها أم الخبائث ، الخمر.

ولقد كانت الخمرُ مباحةً في أول الإسلام مراعاةً لأحوال الناس ، الذين كانوا يشربونها ، ولها سلطانُ على قلوبهم ، فراعى الشرعُ  أحوالَهم ، وأخذهم بالتدرج ، وهيأ نفوسَهم شيئا فشيئا لتركها وتقبلِ حكمِ تحريمها .

إن أولَ آية أشارت إلى الخمر هي قول الله سبحانه ( وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا ) [ النحل:67] ، وتأمل كيف تمت المقابلةُ بين السَكَر والرزقِ الحسن ، مما يُبين أن السكر ليس من الرزق الحسن  .

ثم نزلت الآيةُ المصرحةُ بأن في الخمر إثما عظيما ، وهي قوله تعالى : (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا) [ البقرة:219] .

ثم جاءت الآيةُ الناهيةُ عن شرب الخمر عند الصلاة ، كما سبحانه : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ) [ النساء:43] .

ثم جاء التحريم الصريح في قوله سبحانه : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) [المائدة:90] .

ولذلك جاء في صحيح البخاري عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ بِالْمَدِينَةِ، قَالَ: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللهَ تَعَالَى يُعَرِّضُ بِالْخَمْرِ، وَلَعَلَّ اللهَ سَيُنْزِلُ فِيهَا أَمْرًا، فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْهَا شَيْءٌ فَلْيَبِعْهُ وَلْيَنْتَفِعْ بِهِ”، قَالَ: فَمَا لَبِثْنَا إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِنَّ اللهَ تَعَالَى حَرَّمَ الْخَمْرَ، فَمَنْ أَدْرَكَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ وَعِنْدَهُ مِنْهَا شَيْءٌ فَلَا يَشْرَبْ، وَلَا يَبِعْ”، قَالَ: فَاسْتَقْبَلَ النَّاسُ بِمَا كَانَ عِنْدَهُ مِنْهَا فِي طَرِيقِ الْمَدِينَةِ فَسَفَكُوهَا .

وقد كان الفاروق يقرأ الآيات السابقة ويسأل ربه سبحانه أن ينزل في الخمر البيان الشافي ، ثبت في سنن النسائي عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : لَمَّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ قَالَ عُمَرُ: “اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا” ، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ ، فَقَالَ عُمَرُ: “اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا”، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ الَّتِي فِي النِّسَاءِ: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى ) [النساء: 43] فَكَانَ مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَقَامَ الصَّلَاةَ نَادَى: ( لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى ) [النساء: 43] ، فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ فَقَالَ: “اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا” ، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ الَّتِي فِي الْمَائِدَةِ فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، فَلَمَّا بَلَغَ ( فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ) [المائدة: 91] ، قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: “انْتَهَيْنَا انْتَهَيْنَا” .

أيها الأخوة … لقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن الخمر سيكثر شربها في آخر الزمان ، وأنه من أشراط الساعة ، في الصحيحين عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ: أَنْ يُرْفَعَ العِلْمُ وَيَثْبُتَ الجَهْلُ، وَيُشْرَبَ الخَمْرُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا “.

لقد جاءت النصوص الصريحة في تحريم الخمر وبيان عقوبته في الدنيا والآخرة ، ففي صحيح البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “مَنْ شَرِبَ الخَمْرَ فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا، حُرِمَهَا فِي الآخِرَةِ” .

وفي رواية مسلم عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، وَمَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا فَمَاتَ وَهُوَ يُدْمِنُهَا لَمْ يَتُبْ، لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الْآخِرَةِ” .

وثبت في صحيح ابن حبان عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ، فَسَكِرَ؛ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، فَإِنْ مَاتَ؛ دَخَلَ النَّارَ، فَإِنْ تَابَ؛ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ عَادَ فَشَرِبَ فَسَكِرَ؛ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، فَإِنْ مَاتَ، دَخَلَ النَّارَ، فَإِنْ تَابَ؛ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ عَادَ، فَشَرِبَ فَسَكِرَ؛ لَمْ تُقبل لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، فَإِنْ مَاتَ؛ دَخَلَ النَّارَ، فَإِنْ تَابَ؛ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ عَادَ الرَّابِعَةَ؛ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ” ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمَا طِينَةُ الْخَبَالِ؟ قَالَ: ” عُصَارَةُ أَهْلِ النار ” .

وثبت عند الطبراني عَنِ ابْنِ عُمَر رضي الله عنهما  قَالَ : ” لَعَنَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَارِبَ الْخَمْرِ، وَسَاقِيَهَا ” .

ومن خطورة شرب الخمر أن من يشرب الخمر فيسكر سيفعل جميع المعاصي الكبيرة ، ففي صحيح ابن حبان أن عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ كان يَخْطُبُ النَّاسَ، فَقَالَ: اجْتَنِبُوا الْخَمْرَ فَإِنَّهَا أُمُّ الْخَبَائِثِ، إِنَّ رَجُلَا مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانَ يَتَعَبَّدُ، وَيَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَعَلِقَتْهُ امْرَأَةٌ غَاوِيَةٌ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ أَنِّي أُرِيدُ أَنْ أُشْهِدَكَ بِشَهَادَةٍ، فَانْطَلَقَ مَعَ جَارِيَتِهَا فَجَعَلَ كُلَّمَا دَخَلَ بَابًا أَغْلَقَتُهُ دُونَهُ حَتَّى أَفْضَى إِلَى امْرَأَةٍ وَضِيئَةٍ، وَعِنْدَهَا بَاطِيَةٌ فِيهَا خَمْرٌ ، فَقَالَتْ: إِنِّي وَاللَّهِ مَا دَعَوْتُكَ لِشَهَادَةٍ وَلَكِنْ دَعَوْتُكَ لِتَقَعَ عَلَيَّ ، أَوْ لِتَشْرَبَ مِنْ هَذَا الْخَمْرَ كَأْسًا ، أَوْ لِتَقْتُلَ هَذَا الْغُلَامَ، وَإِلَّا صِحْتُ بِكَ وَفَضَحْتُكَ .

فَلَمَّا أَنْ رَأَى أَنْ لَيْسَ بُدٌّ مِنْ بَعْضِ مَا قَالَتْ قَالَ : اسْقِينِي مَنْ هَذَا الْخَمْرَ كَأْسًا فَسَقَتْهُ ،  فَقَالَ : زِيدِينِي كَأْسًا فَشَرِبَ فَسَكِرَ ، فَقَتَلَ الْغُلَامَ ، وَوَقَعَ عَلَى الْمَرْأَةِ.

فَاجْتَنِبُوا الْخَمْرَ ، فَوَاللَّهِ لَا يَجْتَمِعُ الْإِيمَانُ وَإِدْمَانُ الْخَمْرِ فِي قَلْبِ رَجُلٍ إِلَّا أَوْشَكَ أَحَدُهُمَا أَنْ يُخْرِجَ صَاحِبَهُ .

ومن عقوبة شرب الخمر نزع الإيمان من القلب ، في الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “لاَ يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلاَ يَشْرَبُ الخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلاَ يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ” .

وأعظم عقوبة لشارب الخمر : الحرمان من دخول الجنة ، ثبت في المسند وغيره عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ” لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنَّانٌ، وَلَا عَاقٌّ وَالِدَيْهِ، وَلَا مُدْمِنُ خَمْرٍ ” .

هذه هي أمُ الخبائث ، وهذه مفاسدُها : تغتال العقل ، ويكثر اللغوُ على شربها ، وتنزفُ في نفسها ، وتُنزف المال ، وتُصدع الرأس ، وهي كريهةُ المذاق ، وهي رجسُ من عمل الشيطان ، توقع العداوةَ والبغضاءَ بين الناس ، وتصد عن ذكر الله وعن الصلاة ، ، وتدعو إلى الزنا ، وربما دعت إلى الوقوع على البنت والأخت وذوات المحارم .

تُذهب الغيرة ، وتورث الخزيَ والندامةَ والفضيحة ، وتلحق شاربَها بأنقص نوع الإنسان وهم المجانين ، وتُسلبه أحسنَ الأسماء والسمات ، وتكسوه أقبحَ الأسماء والصفات .

تُسهّل قتلَ النفس وإفشاءِ السر الذي في إفشائه مضرته أو هلاكه ، ومؤاخاةِ الشياطين في تبذير المال الذي جعله الله قياما له ، وتُهتك الأستارَ وتُظهر الأسرار وتدل على العورات ، وتُهون ارتكابَ القبائح والمآثم ، وتخرج من القلب تعظيمَ المحارم .

مدمنها كعابد وثن ، وكم أهاجت من حرب ، وأفقرت من غنى ، وأذلت من عزيز ، ، ووضعت من شريف وسلبت من نعمة ، وجلبت من نقمة ، وفسخت من مودة ، ونسجت من عداوة .

كم فرقت بين رجل وزوجته فذهبت بقلبه وراحت بلُبه ، وكم أورثت من حسرة وأجرت من عبرة ، وكم أغلقت في وجه شاربها بابا من الخير ، وفتحت له بابا من الشر ، وكم أوقعت في بلية وعجلت من منية ، فهي جماع الإثم ومفتاح الشر وسلابة النعم ، وجالبة النقم .

رأيت الخمر صالحةً وفيها     خصـالٌ تفسد الرجلَ الحليما

فلا والله أشـــربها صحيحا     ولا أَســــــقي بها أبدا سقيما

ولا أُعطــي بها ثمنا حياتي     ولا أدعــــــــو لها أبدا نديما

فإن الخمر تفضح شاربيها      وتُجنيهــمْ بها الأمرَ العظيما

WORD PDF

شاهد أيضاً

الحكمة من الزلازل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد … فإن لله سبحانه سننا لا تتغيرُ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *