الجهاد

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد ..

يقول الله سبحانه وتعالى : ( يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ . تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ . يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ . وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ) [الصف:10-13] .

هذه وصيةٌ ودلالةٌ وإرشادٌ من أرحم الراحمين لعباده المؤمنين ، لأعظم تجارةٍ ، وأجلِ مطلوب ، وأعلى مرغوب ، يحصل بها النجاةُ من العذاب الأليم ، والفوزُ بالنعيم المقيم : وهي أن نؤمنَ به سبحانه ونؤمنَ برسوله صلى الله عليه وسلم ، ونجاهدَ بأموالنا وأنفسِنا في سبيل الله تعالى .

إن من أعظم الفرائض التي فرضها الله سبحانه على عباده : فريضةُ الجهاد في سبيل الله بالمال والنفس .

إن مفهومَ الجهاد في الإسلام مفهومٌ عظيم ، جهله كثيرٌ من المسلمين ، فلم يعرفوا معناه ، ولم يعرفوا أنواعَه ، ولم يعرفوا شروطَه ، فضَلّت بسبب ذلك أفهام ، وانحرفت بجهله فئام .

فما الجهادُ ؟ وما مفهومُه ؟ وما أنواعُه ؟ وما شروطُه ؟ أسئلةٌ كثيرةٌ مهمة ، يحسن الجوابُ عنها بالدليل الشرعي من كتاب ربنا سبحانه ، وسنةِ رسوله صلى الله عليه وسلم .

إن الجهادَ بمفهومه العامِ يشملُ جميعَ حياةِ الفرد والمجتمعِ كلِها ، بجوانبها الاجتماعيةِ والاقتصاديةِ والسياسيةِ والفكرية .

وإن الصراعَ فيه يشملُ أعداءٍ كثر ، فيشملُ جهادَ النفس ، وشهواتِ الهوى ، ويشملُ جهادَ شياطين الإنس والجن ، الذين يزرعون الشبهاتِ والشهوات ، والذين يفسدون عقيدةَ المسلمين وأخلاقَهم ودينَهم وقلوبَهم وعقولَهم.

أيها الأخوة .. الجهادُ فرضٌ لازمٌ على كل مسلم ، قال ابن القيم رحمه الله : (وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ جِنْسَ الْجِهَادِ فَرْضُ عَيْنٍ إِمَّا بِالْقَلْبِ، وَإِمَّا بِاللِّسَانِ، وَإِمَّا بِالْمَالِ، وَإِمَّا بِالْيَدِ، فَعَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يُجَاهِدَ بِنَوْعٍ مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ ) . (زاد المعاد 3/64).

وعلى هذا فلا يُعذر أحدٌ من المسلمين بترك الجهاد بأنواعه ، لأن الجهادَ يكونُ بالقلب ، ويكونُ باللسان ، ويكونُ باليد ، ويكونُ بالمال ، ويكون بالنفس .

أيها الأخوة .. الجهادُ له أنواعٌ أربعة : جهادُ النفس والهوى ، وجهاد ُالشيطان ، وجهادُ أهل البدع والمعاصي ، وجهادُ الكفار والمنافقين.

النوع الأول : جهادُ النفس والهوى ، وهو أعظمُ الأنواع وأهمُها ، ثبت عند أبي نعيم في الحلية عن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” أفضلُ الجِهَاد أَنْ تُجَاهِدَ نَفْسَكَ وَهَوَاكَ فِي ذَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ “.

وثبت في المسند عن فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ : ” أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِالْمُؤْمِنِ : مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ، وَالْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ النَّاسُ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ ، وَالْمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ الْخَطَايَا والذنوب ” .

وجهادُ النفس له أربعُ مراتب :

أولا : جهادُها على تعلّم أمور الدين والهدى الذي لا فلاحَ لها ولا سعادةَ في معاشها ومعادها إلا به.

ثانيا : جهادُها على العمل به بعد علمه ، وإلا فمجرد العلمِ بلا عمل إن لم يضرها لم ينفعها.

ثالثا : جهادُها على الدعوة إليه ببصيرة ، وتعليمِه من لا يعلمه ، وإلا كان من الذين يكتمون ما أنزل الله من الهدى والبينات ، ولا ينفعُه علمُه ولا ينجيه من عذاب الله.

رابعا : جهادُها على الصبر على مشاق الدعوة إلى الله ، وأذى الخلق ، وأن يتحملَ ذلك كله لله ، وهذه المراتبُ جمعها اللهُ سبحانه في سورة العصر.

النوع الثاني : جهادُ الشيطان وله مرتبتان:

الأولى : جهادُه على دفع ما يُلقي إلى العبد من الشبهات والشكوكِ القادحةِ في الإيمان.

الثانية : جهادُه على دفع ما يُلقي إليه من الشهواتِ والإراداتِ الفاسدة .

فالجهادُ الأولُ بعد اليقين والثاني بعد الصبر، قال الله تعالى : ( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ) [السجدة:24] ، والشيطان أخبث الأعداء ، قال الله تعالى : ( إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ ) [فاطر:6] .

فالواجبُ على المؤمن أن يأخذَ حذرَه من الشيطان في كل وقت وحين ، ولا يتبعْ خطواتِه ، قال سبحانه : ( يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ) [النور:21] .

النوع الثالث : جهادُ أهل البدع والمعاصي : وله ثلاثُ مراتب : الأولى : باليد إذا قدر المجاهدُ على ذلك بأن كان ذا سلطة ، كالحاكم في بلده ، والرجلِ في بيته ، فإن عجز انتقل إلى اللسان فينصحُ بالحكمة والموعظةِ الحسنة ، فإن عجز جاهد بالقلب بأن يكره البدعة والمعصية ، ولا يجلس في مجالس أهل البدعِ والمعاصي ، حتى لا يكونَ مثلَهم في الإثم ، قال سبحانه : ( وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ ) [النساء:140] .

وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ” مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ “.

النوع الرابع : جهادُ الكفار والمنافقين : فجهادُ الكفار يكونُ بالكلمة إقامةً للحجة ، وباليد قتالا في سبيل الله ، وبالمال إنفاقا عليه ، وجهادُ المنافقين يكون بالكلمة والحجةِ والبرهان ، قال سبحانه : ( فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا ) [الفرقان:52] ، أي بالقرآن.

أيها الأخوة ..وقد جاء في فضل الجهاد في سبيل الله بالنفس والمال نصوصٌ كثيرةٌ ، منها قوله تعالى : ( إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) [التوبة:111] .           وهذه الآيةُ هي الآيةُ الوحيدة ُفي القرآن التي قُدم فيها جهادُ النفس على جهادِ المال ، وكلُ الآياتُ في القرآن يُقدم فيها جهادُ المال على النفس ، فدل ذلك على أهمية الجهاد بالمال .

وفي صحيح البخاري عن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ” مَثَلُ المُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِهِ، كَمَثَلِ الصَّائِمِ القَائِمِ، وَتَوَكَّلَ اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِهِ إنْ يَتَوَفَّاهُ أَنْ  يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، أَوْ يَرْجِعَهُ سَالِمًا مَعَ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ “.

وفي الصحيحين عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: “مُؤْمِنٌ يُجَاهِدُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ” ، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: “ثُمَّ رَجُلٌ مُعْتَزِلٌ فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ يَعْبُدُ رَبَّهُ وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ” .

أيها الأخوة .. وجهادُ الكفار بالنفس لا يمكنُ أن يكون بدون شروطٍ وضوابط ، فليس الجهادُ في الإسلام فوضى بلا ترتيب ، بل هو مؤسسةٌ منظمة ، فلابد فيه من راية واحدةٍ لا راياتٍ متعددة ، يقاتلُ بعضُها بعضا عند الاختلاف كما هو الحالُ في واقعنا اليوم .

ولابد فيه من إذن الحاكم ، لأن أمرَ الحرب موكولٌ إليه ، ولأنه أعلمُ بقوته وقوةِ العدو ، ما لم يهاجم الأعداءُ بلادَ المسلمين فلا إذنَ حينئذ بل دفاعٌ عن البلاد.

كما أنه لابد فيه من شرط مهم ، وهو أن يكونَ عند المسلمين قدرةٌ وقوةٌ يستطيعون بها القتال، فإن لم يكن لديهم قدرة، فإن إقحامَ أنفسِهم في القتال إلقاءٌ بأنفسهم إلى التهلكة؛ ولهذا لم يوجب الله سبحانه وتعالى -على المسلمين القتالَ وهم في مكة؛ لأنهم عاجزون ضعفاء، فلما هاجروا إلى المدينة، وكوَّنوا الدولةَ الإسلامية، وصار لهم شوكةٌ أُمروا بالقتال، وعلى هذا فلابد من هذا الشرط، وإلا سقط عنهم كسائر الواجبات؛ لأن جميعَ الواجباتِ يُشترط فيها القدرةُ؛ لقوله تعالى: ( فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ) [التغابن:16] ، وقوله: ( لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا ) [البقرة:286] .

أيها الأخوة …ومن تعذر عليه الجهادُ بالنفس فعليه أن يحدث نفسَه به ، وأن يسألَ اللهَ الشهادة ، في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ ” . وفيه أيضا عَن سهل بن حنيف رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ ” .

أيها الأخوة..وإن من أعظم الجهاد وأكثرِه أجرا الجهادُ ببر الوالدين ، بالإحسان إليهما قولا وفعلا وإكراما وتقديرا ودعاءً ، ففي الصحيحين عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَسْتَأْذِنُهُ فِي الْجِهَادِ فَقَالَ: “أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟” ، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: “فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ” .

أيها الأخوة ..علينا جميعا واجبُ عظيم ، وهو أن نتقيَ الله في أنفسنا ، وأن نجاهدَها قلبا وقولا وفعلا ، ثم تأتي الهدايةُ والتوفيقُ من الكريم الوهاب سبحانه : (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ) [ العنكبوت:69] .

WORD PDF

شاهد أيضاً

الحكمة من الزلازل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد … فإن لله سبحانه سننا لا تتغيرُ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *