الحجاب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد ..

فقد امتن الله سبحانه وتعالى على عباده بما جعل لهم من اللباس والستر ، قال سبحانه : ( يَـٰبَنِى آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوٰرِى سَوْءتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذٰلِكَ خَيْرٌ )[ الأعراف:26] .

أيها الاخوة الكرام .. إن هناك تلازما بين شرع الله تعالى اللباس لستر العورات للزينة وبين التقوى ، وكلاهما لباس ، هذا يستر عوراتِ القلب ويزينُه ، وذاك يستر عورات الجسمِ ويزينُه ، وهما متلازمان ، فمن الشعور بالتقوى والحياء ينبثق الشعورُ باستقباح عري الجسد والحياء منه ، ومن لا يستحي من الله تعالى ولا يتقيه لا يهمه أن يتعرى من الحياء والتقوى.

إن ستر الجسد للذكر والأنثى ليس مجرد اصطلاح وعادات وعرف بيئي ، كما تزعم الأبواقُ المسلطةُ على حياء الناس والنساء وعفتِهم لتدمر إنسانيتَهم ، إنما هي فطرةٌ خلقها الله في الإنسان ، ثم هي شريعةٌ أنزلها الله تعالى للبشر.

ومن هنا يستطيع المسلمُ الواعي أن يربط بين الحملة الضخمة الموجهة إلى حياء النساء وعفتهم ، والدعوةِ السافرة لهم إلى التكشف والانحلال باسم الزينة والحضارة والتطور من جهة ، وبين خطط أعداء الله تعالى لتدمير إنسانيتهم ، وجعلهم يتزينون بزي الحيوانية وهي زينة التكشف والعري.

أيها الأخوة … لقد خلقنا الله سبحانه لغاية عظيمة وهدف نبيل وهو عبادته وحده لا شريك له فقال سبحانه : ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات:56] ، فنحن كلنا عبيد لله تعالى ، وشأن العبد أن يطيع سيده في كل ما يأمره به ولا يعصيه إذا أمره.

وليس في ذلك اختيارٌ لأحد كما قال سبحانه : ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً ) [ الأحزاب:36] .

إن لذة الحياة وجمالَها وقمةَ السعادة وكمالَها لا تكون إلا في طاعة الله عز وجل التي لا تكلف الإنسان سوى الاستقامة على أمره عز وجل ، وسلوكِ طريقة ليسير الإنسانُ في هذه الحياة مطمئنَ الضمير ، مرتاحَ البال ، هادئَ النفس ، راض بقضاء الله وقدره .

إن الواجبِ على كل مسلم ومسلمة الامتثال لأمر الله تعالى وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم مصداقاً لقوله تعالى : ( إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) [النور:51] .

ومن هذه الأوامر التي أمر الله عز وجل بها مما يختص بالمرأة المسلمة : الحجاب ، وهو فرض على كل مسلمة مكلفة : أن تلتزم بالحجاب ، وهذا ولله الحمد والمنة لا يختلف عليه اثنان ، ولا تشك في وجوبه وفريضتِه امرأةٌ مسلمة ، تخشى الله تعالى وعقابِه ، وترجو رحمته وثوابَه ، وكل مسلمه إن شاء الله تعالى تعرف أن الحجاب واجب ، وتعرف الشروطَ الواجبُ توافرُها في الحجاب ، إذ يجب أن يكون ساترا لجميع البدن إلا ما استثناه الشرع ، ويجب أن يكون واسعا فضفاضا ، لا يفصل الجسم ، ولا يكون زينة في نفسه .

أيها الأخوة …إن حجاب المرأة المسلمة فرض واجب ، وهو مما علم من الدين بالضرورة ، ولم يختلف في فرضه ووجوبه أحد من المسلمين قديما وحديثا ، ولم يكن فرضُ الحجاب قضية مطروحة للنقاش في تاريخ الإسلام كله ، ولكن بسبب تسلط أعداء الإسلام ، وتضليله للمسلمين في وسائل الإعلام ، ووجود علماء الضلالة: ظهر التشكيك بفرضية الحجاب في الكثير من قنوات المسلمين ، فكان لزاما على أهل العلم بيان فرضية الحجاب وأدلته ، ودفع الشبه التي يثيرها أعداء الإسلام .

إن الحجاب الذي نبغيه مكرمةً               لكل حواء ما عابت ولم تعب

نريد منها احتشاماً ، عفة ، أدباً              وهم يريدون منها قلةَ الأدب

أيها الأخوة .. لقد أمر الله تعالى سبحانه في كتابه النساء بالحجاب والستر ، فقال عز وجل : ( يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لاِزْوٰجِكَ وَبَنَـٰتِكَ وَنِسَاء ٱلْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَـٰبِيبِهِنَّ ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً ) [الأحزاب:59] . قال ابن عباس : أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب .

وقال سبحانه : ( وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ) [ النور:31] ، وهذا أمر من الله تعالى لنساء المؤمنين أن يلقين بالخمار إلقاء محكما على المواضع المكشوفة ، وهي الرأس والوجه والعنق والنحر والصدر ، وذلك بلف الخمار الذي تضعه المرأة على رأسها وترميه من الجانب الأيمن على العاتق الأيسر .

وقال سبحانه : ( وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ) [ الأحزاب:53] ، أي : وإذا سألتم أزواج رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ونساء المؤمنين اللواتي لسن لكم بأزواج متاعًا ( فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ) أي: من وراء ستر بينكم وبينهن، (ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ). (تفسير الطبري 20/313)

فهذه أدلة صريحة في كتاب الله تعالى على فرضية الحجاب على المراة المسلمة ، وهي نصوصٌ واضحةٌ في الأمر بالستر والحجاب والعفاف ، لئلا تمتدَ أيدي ضعافِ النفاس فيطمعوا في المرأة الضعيفة ، ويقعُ ما لا يحمد عقباه ، فكان تشريعُ الحجاب حفظٌ للمرأة المسلمة ، وصيانةٌ لها من أيدي ضعاف النفوس .

أيها الأخوة …لقد جاءت الأحاديثُ الكثيرةُ آمرةً المرأةَ بالحجاب الشرعية ، وناهيةً عن التبرج والسفور ، فمن ذلك ما جاء في صحيح البخاري عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: ” يَرْحَمُ اللَّهُ نِسَاءَ المُهَاجِرَاتِ الأُوَلَ، لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ: ( وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ) [النور: 31] ، شَقَّقْنَ مُرُوطَهُنَّ فَاخْتَمَرْنَ بِهَا ” أي شققنا الإزار فتغطين به .

وثبت في سنن أبي داود عن أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أن رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : ” إِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا بَلَغَتِ الْمَحِيضَ لَمْ تَصْلُحْ أَنْ يُرَى مِنْهَا إِلَّا هَذَا وَهَذَا ” .وَأَشَارَ إِلَى وَجْهِهِ وَكَفَّيْهِ .

وقد جاء الوعيدُ الشديدُ للمرأة المتبرجة التي لا تلبس الحجاب ، ففي صحيح مسلم وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : “صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا : قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ ، مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ ، رؤوسهم كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ ، لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا ، وَإِنَّ رِيحَهَا لَتُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا “.

وقيل في معنى كاسيات عاريات : كاسيات في الدنيا عاريات في الآخرة  ، وقيل : كاسية بعض جسدها عارية بعض جسدها ، وقيل : لابسة لكن ملابس شفافة أو ضيقة ، وقيل : كاسيات من النعم عاريات من الشكر .

وقيل في معنى مميلات مائلات : مائلات عن الحق مميلات عنه ، وقيل : مائلات متبخترات ، مميلات لأكتافهن ولقلوب من ينظر إليهن ، وقيل : مائلات عن طاعة الله ، مميلات يعلمن غيرهن فعلهن المذموم .

إنها رسالة صريحة ومباشرة للمرأة التقية الصالحة التي تخاف الله تعالى وترجو رحمته : أن تلتزم الستر والعفة وتلبس الحجاب الشرعي ، وأن لا تستمع لدعاة التبرج والسفور .

أختاه يا بنتَ الخليج تحشـــــــــمي      لا ترفعي عنك الخمارَ فتندمـــــي

هذا الخمارُ يزيد وجهَك بهجــــــةً       وحلاوةُ العينين أن تتلثـمـــــــــــي

صونــي جمالَك إن أردت كرامـــةً       كيلا يصولُ علـيك أدنــى ضيغــــم

لا تُعرضي عن هدي ربك ساعـــة       عُضي عليه مــدى الحياة لتنعمــــي

ما كـــان ربُك جائراً في شـــــرعه       فاستمســـــــكي بعراهُ حتى تسلمــي

ودعي هراءَ القائلين ســـــــــفاهــة       إن التقدمَ في الســــــفور الأعجمــي

إياكِ إياك الخـــداعَ بقولهـــــــــــم :       ســــــــمراءُ يا ذاتَ الجمال تقدمــي

إن الذين تبـــرؤوا عن دينهــــــــــم        فهم يبيعون العفاف بدرهـــــــــــــم

حُللُ التبـــرجِ إن أردت رخيصــــةٌ       أما العفافُ فدونه ســـــــــــفكُ الـدم

بنتَ الجزيرة ما أرى لك شيمـــــــةً       هذا التبرجُ يا فتاةُ تكلمــــــــــــــــي

حســــــــــناءُ يا ذاتَ الدلال فإننـــي       أخشى عليك من الخبيث المجـــرم

لا تَعرِضي هذا الجمالَ على الورى       إلا لزوج أو قـريبِ مَـحــــــــــــرم

لا تُرســـلي الشعرَ الحريرَ مرجـــلا       فالناسُ حولَك كالذئاب الحُـــــــــوّم

لا تمنحي المســــــتشـرقين تبسـمـــا       إلا ابتسـامةَ كاشــــــــــــــرٍ متهـجم

أنا لا أحبــــذُ أن أراكِ جهولــــــــــةً       شرقاً وغرباً في الجنوب ومشأمــي

أنا لا أريــــدُ بأن أراك جهولـــــــــة       إن الجـهـالــــــــــــــةَ مـرةٌ كـالعلقـم

فتـعلمـــــــــي و تثقـفي و تنـــــوري       والحـــقَ يا أختاه أن تتـعلمـــــــــــي

لكنني أمـســــــــي وأصـبح قائـــــلاً       أختــــاه يا بنت الخليج تحشــــــــمي

WORD PDF

شاهد أيضاً

الحكمة من الزلازل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد … فإن لله سبحانه سننا لا تتغيرُ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *