الحج (1)

الحمد لله الذي جعل البيت العتيق مثابة للناس وأمنا  ، وأكرمه بالنسبة إلى نفسه تشريفا وتحصينا ومنا ، فرض علينا حج بيته الحرام ، الذي جعله قبلة للأنام ، جعله سبحانه وتعالى علامة لتواضعهم لعظمته ، وإذعانهم لعزته ، واختار من بين خلقه سماعا أجابوا إليه دعوته ، وصدقوا كلمته ، ووقفوا مواقف أنبيائه ، جعله سبحانه للإسلام علما ، وللعائذين حرما ، فرض حجه  ، وأوجب حقه ، وكتب علينا وفادته .

الحج من بين أركان الإسلام ومبانيه العظام عبادة العمر ، وختام الأمر ، وتمام الإسلام ، وكمال الدين ، فيه أنزل الله سبحانه : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ) [المائدة: 3] .

الحج ترك للأوطان ، وفراق للأهل ، وهجر الأحبة ، وامتثال الأمر ، وتلبية النداء .

الحج رحلة الطاعة ، وقصد للكريم ، وقدوم على بيت المنعم ، وسفر للمغفرة. الحج تجديد للعهد ، واتفاق على الميثاق ، وانطراح لعلام الغيوب ، وتصفية للقلوب ، وغسل للذنوب .

الحج طرح للزينة ، وارتداء الكفن ، وتذكر الرحيل ، وإظهار المسكنة ، وتوحيد الزي ، وبياض الملبس والمنهج والرسالة ، وشعث الخدمة ، وغبار المشقة والتضحية ، وظمأ الكبد لماء الحوض ، واشتياق القلب لمعاهد الوحي ، واللهج بذكر الواحد الأحد .

أيها الأخوة … الحج هو الركن الخامس من أركان الإسلام ، وقد فرضه الله سبحانه بقوله : (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ)  [المائدة: 3] ، وثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل عن الإسلام فقال : ” أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ” ، وثبت في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ الْحَجَّ فَحُجُّوا ” .

ففريضة الحج ثابتة بالكتاب والسنة ، وبإجماع المسلمين قاطبة إجماعا قطعيا ، فمن أنكر فريضة الحج وهو عالم فقد كفر ، ومن أقر بها وتركها تهاونا فهو على خطر ، إذ كيف تطيب نفس مؤمن أن يترك الحج مع قدرته عليه بماله وبدنه ، وهو يعلم أنه من فرائض الإسلام وأركانه ، كيف يبخل المسلم بالمال على نفسه في أداء هذه الفريضة وهو ينفق الكثير من ماله فيما تهواه نفسه ؟ وكيف يوفر نفسه عن التعب في الحج وهو يرهق نفسه في التعب في أمور دنياه ؟ وكيف يتثاقل فريضة الحج وهي لا تجب في العمر سوى مرة واحدة ؟ كيف يتراخى ويؤخر أداء الحج وهو لا يدري لعله لا يستطيع الوصول إليه بعد عامه ؟

وقد ثبت عن عمر رضي الله عنه أنه قال : ليمت يهوديا أو نصرانيا – قالها ثلاثا – رجل مات ولم يحج  ، وجد لذلك سعة ، وخليت سبيله .

فلتتق الله أيها المسلم ، ولتعلم بأن أشهر الحج قد بدأت ، ولتؤد ما أمرك الله به ، وفرضه عليك ، ولا تجعل لنفسك خيرة في ذلك : (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا) [الأحزاب: 36] .

ثم اعلم – وفقني الله وإياك – بأن الحج قد فرض على المسلم مرة واحدة في العمر ، إلا أن له فضلا كبيرا ، جاءت به الأحاديث الكثيرة عن المصطفى صلى الله عليه وسلم ، دالة على استحباب تكراره لما فيه من الأجر الكثير  ، والخير الوفير ، فلنستمع إلى بعض منها :

فمنها ما ثبت في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم سُئِلَ: أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟،  فَقَالَ: ” إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ”،  قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ ، قَالَ : “الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ” ، قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ ، قَالَ: “حَجٌّ مَبْرُورٌ ” .

وصح في الصحيحين أيضا أنه قال صلى الله عليه وسلم : ” والْحَجُّ الْـمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةَ ” . وفي الصحيحين أيضا قال صلى الله عليه وسلم : ” منْ حجَّ فَلَم يرْفُثْ، وَلَم يفْسُقْ، رجَع كَيَومِ ولَدتْهُ أُمُّهُ ” .

وفي البخاري قال صلى الله عليه وسلم : ” لَكِنَّ أَفْضَلَ الْجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ ” والحج المبرور هو الذي يكون خالصا لوجه الله تعالى ، موافقا لهدي رسوله صلى الله عليه وسلم ، بمال حلال ، ويأتي صاحبه بأحكامه على الوجه المطلوب شرعا ، ويبتعد فيه عن المعاصي .

وثبت عند الترمذي وغيره عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ، كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَيْسَ لِلْحَجَّةِ الْمَبْرُورَةِ ثَوَابٌ إِلَّا الْجَنَّةُ ” ، وثبت في صحيح ابن حبان عن أبي سعيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” إِنَّ عَبْدًا صَحَّحْتُ لَهُ جِسْمَهُ ، وَوَسَّعْتُ عَلَيْهِ فِي الْمَعِيشَةِ يَمْضِي عَلَيْهِ خَمْسَةُ أَعْوَامٍ لا يَفِدُ إِلَيَّ لَمَحْرُومٌ ” .

أما والذي حج المحبون بيتَـــــــــه       ولبوا له عند المُهل وأحرمـــــوا

وقد كشفوا تلك الرؤوس تواضعا       لعزة من تعنو الوجوهُ وتُســــــلم

يُهلون بالبيداء لبيــــــــــــــك ربَنا       لك الملكُ والحمد الذي أنت تعلم

دعاهم فلبوا رضا ومحبـــــــــــةً        فلما دعوه كان أقربَ منهـــــــم

أيها الأخوة … هذه بعض الأحاديث التي تحث على الحج ، وتبين فضله وثوابه العظيم ، ويكفي أن الحاج في ضمان الله وحفظه ، فقد ثبت عند أبي نعيم في الحلية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” ثَلاثَةٌ فِي ضَمَانِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : رَجُلٌ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ إِلَى مَسْجِدٍ مِنْ مَسَاجِدِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَرَجُلٌ خَرَجَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَرَجُلٌ خَرَجَ حَاجًّا “. فلنحرص على أداء الفريضة ، ولنحن إلى بيت الله الحرام :

يحن إلى أرض الحجاز فؤادي          ويحدو اشتياقي نحو مكة حادي

ولي أملٌ ما زال يسمو بهمتي            إلى البلدة الغراء خيــــــــرِ بلاد

بها كعبةُ الله التي طاف حولَها          عبادٌ همُ لله خـيـــــــــــــــرُ عباد

لأقضي فرضَ الله في حج بيته          بأصدقَ إيمان وأطيـــــــــبَ زاد

أيها الأخوة … الحج إلى بيت الحرام فريضة عظيمة يجب على المسلم أداؤها ما دام مستطيعا بماله وبدنه ، ولا يجوز أن يؤخرها إلا لعذر ، فقد صح في المسند عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” تَعَجَّلُوا إِلَى الْحَجِّ – يَعْنِي الْفَرِيضَةَ – فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي مَا يَعْرِضُ لَهُ ” .

وفي رواية : ” مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ فَلْيَتَعَجَّلْ فَإِنَّهُ قَدْ يَمْرَضُ الْمَرِيضُ ، وَتَضِلُّ الضَّالَّةُ ، وَتَعْرِضُ الْحَاجَةُ ” .

ومما يدل على ذلك أيضا ما صح عند البيهقي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَبْعَثَ رِجَالًا إلَى هَذِهِ الْأَمْصَارِ فَيَنْظُرُوا كُلَّ مَنْ كَانَ لَهُ جَدَّةٌ وَلَمْ يَحُجَّ فَيَضْرِبُوا عَلَيْهِمْ الْجِزْيَةَ مَا هُمْ بِمُسْلِمِينَ ، مَا هُمْ بِمُسْلِمِينَ .

وصح عند البيهقي عن أبي أمامة رضي الله عنه قال : مَنْ لَمْ يَحْبِسْهُ مَرَضٌ أَوْ حَاجَةٌ ظَاهِرَةٌ أَوْ مَشَقَّةٌ ظَاهِرَةٌ أَوْ سُلْطَانٌ جَائِرٌ فَلَمْ يَحُجَّ فَلْيَمُتْ إنْ شَاءَ يَهُودِيًّا وَإِنْ شَاءَ نَصْرَانِيًّا.

أيها الأخوة … هذه النصوص والآثار تدل دلالة واضحة على وجوب الحج على الفور لمن كان مستطيعا ، وأنه لا يجوز تأخير الحج إلا لعذر .

فبادر أخي الكريم إلى لقاء ربك ومولاك ، واستعن بالحي الذي لا يموت سبحانه ، وحج بيت الله الحرام ما دمت مستطيعا بمالك وبدنك ، عسى أن تكون ممن غفرت ذنوبه فرجع كيوم ولدته أمه :

إليك إلهي قد أتيتُ ملبيــــــــــا           فبارك إلهي حجتي ودعائيـــــــــا

قصدتُك مضطرا وجئتك باكيا           وحاشاك ربي أن ترد بكائيــــــــا

كفاني فخرا أنني لك عابــــــــدٌ          فيا فرحتي إن صرتُ عبدا مواليا

إلهي فأنت اللهُ لا شــــــيءَ مثلُه         فأفعم فؤادي حكمةً ومعانيــــــــــا

أتيتُ بلا زاد ، وجودُك مطعمي         وما خاب من يهفو لجودك ساعيا

إليك إلهي قد حضرتُ مؤمــــلا         خلاصَ فؤادي من ذنوبي ملبيـــا

أيها الأخوة … من فاته في هذا العام القيام بعرفة فليقم لله بحقه الذي عرفه ، من عجز عن المبيت بمزدلفة فليبت عزمه على طاعة الله وقد قربه وأزلفه ، من لم يمكنه القيام بأرجاء الخيف ، فليقم لله بحق الرجاء والخوف ، من لم يقدر على نحر هديه بمنى ، فليذبح هواه هنا وقد بلغ المنى ، من لم يصل إلى البيت لأنه منه بعيد ، فليقصد رب البيت فإنه أقرب إلى من دعاه ورجاه من حبل الوريد .

اللهم سهل للمسلمين حج بيتك الحرام ، وتقبل منهم ، واغفر لهم وارحم برحمتك يا أرحم الراحمين .

WORD PDF

شاهد أيضاً

الحكمة من الزلازل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد … فإن لله سبحانه سننا لا تتغيرُ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *