الحج (2)

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد …

فيقول الله سبحانه : (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ، لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۖ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ، ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) [الحج: 27-29] ، لقد تحدثنا في الخطبة السابقة عن فريضة الحج إلى بيت الله الحرام ، وذكرنا فضل الحج وعظيم أجره ، وأنه واجب على كل مستطيع على الفور ، لا يجوز تأخيره إلا لعذر .

إن من تمام رحمة الله ، ومن بالغ حكمته أن جعل لفرائضه ضوابط وشروطا  ، لتنضبط الفرائض ، وتتحدد المسئولية ، وجعل هذه الشروط في غاية المناسبة للفاعل والزمان والمكان ، ومن هذه الفرائض الحج ، فله حدود وشروط ، لا يجب الحج إلا إذا توفرت .

فمن هذه الشروط : البلوغ ، فلا يجب الحج على الصغير الذي لم يبلغ حتى لو كان غنيا ، لما ثبت في سنن أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” (رُفِع القَلمُ عن ثلاثةٍ: .. وذكر منها : الصَّبِي حَتَّى يبلغ ” ، ويكون الصبي بالغا إذا ظهرت عليه إحدى علامات البلوغ : وهي الاحتلام ، أو نبات شعر العانة ، أو بلوغ خمس عشرة سنة ، وتزيد البنت علامة وهي الحيض ، فمتى ما حاضت فهي بالغ .

لكن لو حج الصبي صح حجه تطوعا وله أجره ووليه ، فإذا بلغ وجب عليه أداء الفريضة ، ثبت في صحيح البخاري أن امرأة حجت مع النبي صلى الله عليه وسلم فرفعت إليه صبيا فقالت : أَلِهَذَا حَجٌّ ؟ ، قَالَ : ” نَعَمْ وَلَكِ أَجْرٌ ” .

ومن شروط الحج : أن يكون مستطيعا بماله وبدنه ، لأن الله سبحانه شرط ذلك للوجوب بقولــــه سبحانــــه : ( عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ) [آل عمران: 97] ، والاستطاعة بالمال أن يملك الإنسان ما يكفي لحجه زائدا عن حوائج بيته ، وما يحتاجه من نفقة وكسوة له ولعياله ، وأجرة سكن  وقضاء ديون حالة .

فمن كان عنده مال يحتاجه لما ذكر لم يجب عليه الحج ، ومن كان عليه دين حال لم يجب عليه الحج حتى يوفيه .

والدين هو ما ثبت في ذمة الإنسان ، من قرض أو ثمن مبيع أو أجرة ، أو غيرها ، فمن كان عليه دين حال يطالب به صاحبه فلا يجوز أن يحج حتى يسدد دينه أو يستأذن من صاحب الدين ، لأن قضاء الدين من الأمور الواجبة ومما تساهل فيه كثير من الناس ، حتى أن الرجل ليقتل شهيدا في سبيل الله فتكفر عنه الشهادة كل شيء إلا الدين !

هذا بالنسبة للديون الحالة ، أما الديون المؤجلة ، فإن كانت على شكل أقساط يدفعها كل شهر ، أو تؤخذ من راتبه كل شهر دون أن يؤثر ذلك على نفقته ونفقة أهله وعياله فهذا لا يؤثر في وجوب الحج ، وإن كانت هذه الديون لها تأثير على نفقته ونفقه أهله وعياله فلا يجب عليه الحج عندئذ .

أما الاستطاعة بالبدن فهي أن يكون الإنسان قادرا على الوصول بنفسه إلى مكة بدون مشقة ، فإن كان لا يستطيع الوصول إلى مكة أو يستطيع الوصول لكن مع المشقة الشديدة كالمريض : فإن كان يرجو الاستطاعة في المستقبل انتظر حتى يستطيع ، ثم يحج  ،فإن مات قبل أن يحج حج عنه من تركته .

وإن كان لا يرجو الاستطاعة في المستقبل ، كالكبير والمريض مرضا مزمنا ، فهذا يوكل من يحج عنه من أقاربه ، أو من غيرهم ممن يثق بدينه وأمانته ، فإن مات قبل أن يوكل أحدا حج عنه من تركته .

ومن الاستطاعة بالنسبة للمرأة أن يكون لها محرم ، فإن لم يكن لها محرم فليس عليها حج لأنها لا تستطيع السبيل إلى الحج ، فالمرأة ممنوعة من السفر بدون محرم ، لما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” لَا تُسَافِرِ المَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ” ، فقام رجلٌ، فقال: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ امرَأتي خرجت حاجَّةً، وإنِّي اكْتُتِبْتُ في غزوةِ كذا وكذا، قال: ” انطَلِقْ فحُجَّ مع امرأَتِك ” . فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يحج مع امرأته مع أنه قد كتب مع المجاهدين الغزاة ، ولم يستفصل منه النبي صلى الله عليه وسلم هل كانت امرأته شابة ، أو كان معها نساء مؤتمنات ، وهذا دليل واضح وبين على أن المرأة يحرم عليها السفر على أي حال ، وعلى أي مركوب ، من طائرة أو سيارة إلا بمحرم ، وهو زوجها ، أو من يحرم عليه نكاحها تحريما مؤبدا ، كالأب والجد والابن والأخ وابن الأخ وابن الأخت ، والعم والخال .

والمحرم لابد أن يكون عاقلا بالغا ، لن المقصود من المحرم حفظ المرأة وصيانتها وقضاء حوائجها ، وذلك لا يحصل بالصغير ، إلا يكون الصبي قويا قادرا على صيانة المرأة وقضاء حوائجها ، فعند ذلك يصح أن يكون محرما وإن لم يبلغ .

ومما ينبغي التنبيه عليه أنه لا يجوز الحج بمال حرام ، كالمال المكتسب من الربا أو الغش أو المعاملات المحرمة ، لأن الله طيب و لا يقبل إلا طيبا :

إذا حججت بمال أصله سحت     فما حججت ولكن حجت العير

لا يقبل الله إلا كل طيبــــــــتة     ما كل من حج بيت الله مبرور

أيها الأخوة … من استكمل شروط الحج وجب عليه أن يحج فورا  دون تأخير ، امتثالا لأمر الله سبحانه وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم ، فإن الإنسان لا يدري ما يحصل له في المستقبل ، فبادر أخي المسلم بأداء فريضة الحج ، لعل الله أن يتقبل منك ويغفر لك ذنبك .

أيها الأخوة … ما أعظم هذه الفريضة ، وما أكثر فوائدها وثمارها ، والحج له أسرار ودروس كثيرة :

فهو مظهر من مظاهر التوحيد ، من أجل التوحيد بني بيت الله العتيق ، أمر الله نبيه إبراهيم أن يؤسس البيت العتيق على التوحيد : (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) [الحج: 26] ، ومنذ الدخول في النسك يعلن الحاج توحيده للرب عز وجل : لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك ، لا شريك لك ، فلا يستحق أحد العبادة إلا الله ، ولا يجوز أن تطلب النفع ودفع الضر إلا من الله وحده سبحانه وتعالى.

الحج فيه الاتباع المطلق للرسول صلى الله عليه وسلم ، فلا يجوز الحج إلا وفق سنته صلى الله عليه وسلم ، ولذلك صح في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول عند كل نسك : ” لتأخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ ” ، ولذلك فإن أنصح كل من يريد الحج أن يتعلم أحكام الحج عن طريق حضور دورة عن الحج ، أو سؤال أهل العلم عن أحكام الحج بالتفصيل ، حتى يتم حجته على السنة فتكون حجته مبرورة بإذن الله .

الحج مؤتمر إسلامي عظيم يحث على التعاون والوحدة ، وتتجلى فيه روح الأخوة والمحبة ، لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى : (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) [الحجرات: 13] ، يستوي فيه الكبير والصغير ، والغني والفقير ، والراعي والرعية ، والحاكم والمحكوم .

في الحج تعود على مكارم الأخلاق  ، ومفارقة الأهل والأوطان ، والتضحية بالراحة والأموال من أجل رضا الرحمن سبحانه .

في الحج تجرد من شهوات النفس ، وحبسها عن كل ما سوى الله عز وجل ، طاعة له سبحانه .

الحج يُذكِّر باليوم الآخر ، عندما يرى الحاج اجتماع الناس في الطواف والسعي ، وعند الوقوف بعرفة ، يتذكر الاجتماع والموقف العظيم عند لقاء رب العالمين في أرض المحشر .

فلله ذاك الموقف الأعظم الذي           كموقف يوم العرض بل ذاك أعظم

ويدنو به الجبار جل جلالـــــه           يباهي بهم أملاكه فهـــو أكــــــــــرم

يقول عبادي قد أتوني محبــــة           وإني بهم بر أجــود وأكــــــــــــــرم

فأشهدكم أني غفرت ذنوبهــــم           وأعطيتهم ما أملــــوه وأنعـــــــــــــم

فبشراكم يا أهل الموقف الذي            به يغفر الله الذنـــوب ويرحـــــــــــم

فكم من عتيق كمل عتقـــــــه            وآخر يستسعــي وربك أكـــــــــــــرم

WORD PDF

شاهد أيضاً

الحكمة من الزلازل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد … فإن لله سبحانه سننا لا تتغيرُ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *