الرئيسية / الخطب المكتوبة / الفقه / الحكمة من الزلازل

الحكمة من الزلازل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد …

فإن لله سبحانه سننا لا تتغيرُ ولا تتبدلُ في هذا الكون ، واللهُ سبحانه وتعالى حكيمٌ عليم فيما يقضيه ويقدره ، كما أنه حكيمُ عليم فيما شرعه وأمر به ، وهو سبحانه يخلق ما يشاء من الآيات ، ويقدرُها تخويفا لعباده وتذكيرا لهم بما يجبُ عليهم من حقه ، وتحذيرا لهم من الشرك به ، ومخالفةِ أمره وارتكابِ نهيه ، كما قال الله سبحانه : ( وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلا تَخْوِيفًا ) [ الإسراء:59] ، وقال عز وجل: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) [ فصلت:53] ، وقال تعالى : ( قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ) [ الأنعام:65] .

ولا  شك أن ما حصل من الزلازل في هذه الأيام  ،  هو من جملةِ الآياتِ التي يخوف اللهُ بها سبحانه عبادَه ، كما قال النبيُ صلى الله عليه وسلم عن الكسوف فيما رواه البخاري : ” إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِمَا عِبَادَهُ ، وَإِنَّهُمَا لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا شَيْئًا فَصَلُّوا وَادْعُوا اللَّهَ حَتَّى يُكْشَفَ مَا بِكُمْ ” .

أيها الأخوة …إن كثرةَ الزلازل من علامات الساعة الصغرى التي أخبر بها المصطفى صلى الله عليه وسلم .

في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقْبَضَ الْعِلْمُ وَتَكْثُرَ الزَّلازِلُ وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ وَتَظْهَرَ الْفِتَنُ وَيَكْثُرَ الْهَرْجُ – وَهُوَ الْقَتْلُ ” . وثبت في المسند عن أبى موسى قال : قال صلى الله عليه وسلم : ” إنّ أُمَّتي أُمَّةٌ مرحومَةٌ ليس عليها عذابٌ في الْآخرَةِ إنَّما عذابُها في الدُّنيا : الزَّلازِلُ والفتَنُ والبَلايا ” .

لقد تكرر وقوعُ الزلازل على مر التاريخ ، فقد وقعت في خلافة المتوكل عام مائتين واثنين وثلاثين للهجرة زلزلةٌ مهولةٌ بدمشق سقطت فيها دور وهلك خلقٌ ، امتدت إلى أنطاكية فهدمتها ، وإلى الجزيرة فأحرقتها ، وإلى الموصل فهلك من أهلها خمسون ألفاً .

وفى عام مائتين واثنين وأربعين للهجرة وقعت زلزلةٌ عظيمةٌ بتونس وخراسان ونيسابور وطبرستان وأصبهان ، تقطعت بسببها جبالٌ ، وتشققت الأرضُ .

وفى عام مائتين وخمس وأربعين للهجرة عمت الزلازلُ الدنيا ، فخربت المدنَ والقناطرَ وسقط  من أنطاكية جبلٌ فى البحر .

وفى خلافة المعتضدِ عام مائتين وثمانين للهجرة وقعت زلزلةٌ عظيمة بالديبل هدمت البلدة ، وأُخرج من تحت الردم مائةٌ وخمسون ألف إنسان .

وفى سنة خمسمائة وأربع وأربعين للهجرة وقعت زلزلةٌ ببغداد عشرات المرات وتقطع جبلٌ بحلوان .

وفى سنة خمسمائة واثنين وخمسين للهجرة وقعت زلزلةٌ عظيمة بالشام وحلب وشيراز وأنطاكية وطرابلس ، وهلك خلقٌ كثير ، وهلك كلٌ من فى شيراز ، إلا امرأة ًوخادماً ، وخربت صيدا وبيروت وطرابلس وعكا وصور ، ومات في هذه السنة مليون ومائةُ ألف إنسان .

وفى سنة خمسمائة وسبع وتسعين للهجرة وقعت زلزلةٌ كبرى بمصر والشام والجزيرة خربت أماكن كثيرة .

وفى سنة ستمائة واثنين وستين للهجرة حدثت زلزلةٌ عظيمة بمصر . وحصلت بعدها زلازلُ أخرى كثيرة ، إلى عصرنا الحاضر .

أيها الأخوة .. إن وقوعَ الزلازلِ آيةٌ من آيات الله يخوف اللهُ بها عباده ، ويحذرُهم من الغفلة عن ذكره أو الوقوع في المعاصي التي هي سببُ البلاء في الأرض ، وهذه حقيقةُ يجب على كل مسلم أن يعقلَها ويتفهمَها ، ولا يسيرُ خلف أصحاب الهوى والغفلة الذين ينسبون للطبيعة الكثيرَ مما يخرج عن نسقها ، فإذا مات الإنسانُ بغير علة ، قالوا وفاة طبيعية ! وإذا كُسفت الشمس أو خُسف القمر، قالوا خسوف طبيعي ! وإذا أتى اللهُ بعقابه فأرسل حاصباً ، أو أغرق أمة ، أو فجر الأرضَ عليهم ناراً، أو دمدم على قوم بذنبهم فسواها ، أو ابتلاهم بالزلازل قالوا كارثةٌ طبيعية أوغضبُ الطبيعة !!

أما المؤمن فيؤمن بكل ما قاله اللهُ سبحانه وقدره على عباده لحكم ارتضاها سبحانه ، ولذلك تكفي المؤمنَ آيةٌ واحدةٌ ليستيقن بأن ما يحدثُ من كوارثَ في الأرض هو من تقدير الخالق العظيم سبحانه ، وأنه ابتلاءٌ منه عز وجل ، وتذكيرٌ لعباده بترك المعاصي والعودة إليه سبحانه ، قال سبحانه : ( ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) [ الروم: 41] .

أي : استعلن الفسادُ في البر والبحر أي : فسادُ معايشِهم ونقصُها وحلولُ الآفات بها ، وفي أنفسهم من الأمراض والوباء وغيرِ ذلك ، وذلك بسبب ما قدمت أيديهم من الأعمال الفاسدة المفسدة بطبعها …( لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا ) أي : ليعلموا أنه المجازي على الأعمال ، فعجل لهم نموذجا من جزاء أعمالهم في الدنيا ، ( لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) : عن أعمالهم التي أثرت لهم من الفساد ما أثرت ، فتصلح أحوالُهم ويستقيم أمرُهم . فسبحان من أنعم ببلائه وتفضل بعقوبته وإلا فلو أذاقهم جميعَ ما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة . (تفسير السعدي 4/91) .

وقال سبحانه : ( وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ) [ الشورى: 30 ] ، أي أنه ما أصاب العبادَ من مصيبة في أبدانهم وأموالهم وأولادهم ، وفيما يحبون ، ويكون عزيزا عليهم ، إلا بسبب ما قدمته أيديهم من السيئات. (تفسير السعدي 4/426) .

خل الذنوب صغيرهــــــــا         وكبيرها فهو التقــــــى

واصنع كماش فوق أرض         الشـــوك يحذر ما يرى

لا تحقــــــــــــرن صغيرة          إن الجبال من الحصى

أيها الأخوة … لحدوث الزلازل وغيرها من آيات الله تعالى حِكَمٌ وأسبابٌ لا يدركُها ألا أصحابُ القلوب الحية من المؤمنين ، فمن أسبابها:   التذكيرُ بنعمة سكون الأرض وقرارها وثباتها ، ومن أسبابها:   التذكيرُ بكمال قدرة الله ووحدانيته ، فالعبادُ تحت قبضته ، وأمرُهم بيده ، ومن أسبابها:   تخويفُ العباد  ، وتذكيرُهم كي يحاسبوا أنفسَهم ويتوبوا من ذنوبهم ومعاصيهم .

أيها الأخوة ….الواجبُ علينا جميعا ، التوبةُ إلى الله سبحانه ، والاستقامةُ على دينه ، والحذرُ من كل ما نهى عنه من الشرك والمعاصي ، حتى تحصلَ لنا العافيةُ والنجاةُ في الدنيا والآخرة من جميع الشرور ، وحتى يدفعَ اللهُ تعالى عنا كلَ بلاء ، ويمنحَنا كلَ خير كما قال سبحانه : ( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) [ الأعراف:97] ، وقال تعالى في أهل الكتاب : ( وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ) [ المائدة:66] ، وقال تعالى ) : أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ ، أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ ، يَلْعَبُونَ أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ ) [الأعراف: 97-99]  .

قال ابن القيم رحمه الله : ( وقد يأذنُ اللهُ سبحانه للأرض في بعض الأحيان بالتنفس فتحدثُ فيها الزلازلُ العظام ، فيحدث من ذلك لعباده الخوفُ والخشيةُ ، والإنابةُ والإقلاعُ عن المعاصي والتضرعُ إلى الله سبحانه ، والندمُ ،  كما قال بعض السلف ، وقد زلزلت الأرض : إن ربكم يستعتبكم . وقال عمر بن الخطاب وقد زلزلت المدينة فخطبهم ووعظهم وقال : لئن عادت لا أساكنكم فيها ) . (مفتاح دار السعادة 1/221).

وثبت في سنن البيهقي عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِى عُبَيْدٍ قَالَتْ : زُلْزِلَتِ الأَرْضُ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ حَتَّى اصْطَفَقَتِ السُّرُرُ وَابْنُ عُمَرَ يُصَلِّى فَلَمْ يَدْرِ بِهَا ، وَلَمْ يُوَافِقْ أَحَدًا يُصَلِّى فَدَرَى بِهَا فَخَطَبَ عُمَرُ النَّاسَ فَقَالَ : أَحْدَثْتُمْ ، لَقَدْ عَجِلْتُمْ ، لَئِنْ عَادَتْ لأَخْرُجَنَّ مِنْ بَيْنِ ظَهْرَانَيْكُمْ .

وثبت عن الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمه الله أنه لما وقع الزلزالُ في زمانه كتب إلى عماله في البلدان ، وأمرهم أن يأمروا المسلمين بالتوبة إلى الله والضراعةِ إليه ، والاستغفارِ من ذنوبهم .

فالواجبُ عند الزلازل وغيرِها من الآيات والكسوفِ والرياحِ الشديدة والفياضانات  البدارُ بالتوبة إلى الله سبحانه ، والضراعةِ إليه وسؤالِه العافية ، والإكثارِ من ذكره واستغفاره ، كما قال صلى الله عليه وسلم عند الكسوف : ” فَإِذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَافْزَعُوا إِلَى ذِكْرِهِ وَدُعَائِهِ وَاسْتِغْفَارِهِ ” .

ويستحب أيضا رحمةُ الفقراء والمساكين والصدقة عليهم ، ثبت في سنن الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ ” ، وروي عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله أنه كان يكتب إلى أمرائه عند وجود الزلزلة أن يتصدقوا  .

فيا عجبا كيف يُعصى الإلهُ        أم كيف يجحده الجاحد

وفي كل شــــــــــيء له آيةٌ        تدل على أنه الواحــــد

WORD PDF

شاهد أيضاً

أم الخبائث

الحمد لله والصلاة على رسول الله وبعد .. فيقول الله سبحانه : ( هُوَ الَّذِي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *