الصـــلاة (2)

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد …

فإن من أهم الطاعات وأعظمها أجرا : ركن الإسلام العظيم وأساسه القويم : الصلاة ، وما أدراك ما الصلاة ؟ أولى الفرائض العملية في الدين ، وهي الشعيرة الباقية عبر الرسالات ، الصلاة عبادة تحقق دوام ذكر الله تعالى ، والقربى من جنابه ، وتمثل تمام الطاعة والاستسلام لله رب العالمين ، والتجرد له وحده .

الصلاة تربي النفس على معاني التقوى والإنابة والصبر والتوكل ، وتهيئ المسلم لحياة صالحة بين جماعة المؤمنين .

الصلاة أكبر عون للمؤمن على مصالح دينه ودنياه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ) [البقرة: 153] ، إذا داوم المسلم على الصلاة وحافظ عليها قويت رغبته في فعل الخيرات ، وسهلت عليه الطاعات ، وبذل الإحسان بطمأنينة نفس واحتساب ورجاء للثواب ، وتذهب أو تضعف داعيته للمعاصي .

الصلاة عون للمسلم على المصالح الدنيوية ، فإنها تهون المشاق ، وتسلي عن المصائب ، ويجازي الله صاحبها بتيسير أموره ، ويبارك له في ماله وأعماله ، وجميع ما يتصل به ويباشره ، ولذلك ثبت في سنن أبي داود عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : كَانَ إذا حزَبَه أمرٌ صلَّى.

من أكمل الصلاة وأتقنها فقد فاز وسعد ونجح عند لقاء مولاه سبحانه ، ثبت في مسند الطيالسي عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” أوَّلُ ما يحاسَبُ بِهِ العبدُ يومَ القيامةِ الصلاةُ، فإِنْ صلَحَتْ صلَح له سائرُ عملِهِ، وإِنْ فسَدَتْ، فَسَدَ سائرُ عملِهِ ” .

الصلاة تكميل للإسلام ، وتكفير للسيئات ، وزيادة للحسنات ، ورفعة للدرجات ، وزيادة القرب من رب الأرض والسموات ، في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” أَلا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ ؟ قَالُوا : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ , قَالَ : إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ , وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ , وَانْتِظَارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ , فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ , فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ ” . وثبت في المسند عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” مَنْ رَاحَ إِلَى مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ ، فَخَطْوَةٌ تَمْحُو سَيِّئَةً ، وَخَطْوَةٌ تُكْتَبُ لَهُ حَسَنَةٌ ، ذَاهِبًا وَرَاجِعًا ” .

وثبت في سنن أبي داود عن أبي أمامة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” مَنْ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ مُتَطَهِّرًا إِلَى صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ فَأَجْرُهُ كَأَجْرِ الْحَاجِّ الْمُحْرِمِ ” . وفي صحيح مسلم عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” مَنْ تَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ مَشَى إِلَى الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ، فَصَلَّاهَا مَعَ النَّاسِ أَوْ مَعَ الْجَمَاعَةِ أَوْ فِي الْمَسْجِدِ غَفَرَ اللهُ لَهُ ذُنُوبَهُ ” .

الصلاة شعار المسلم ، فلا إسلام لمن ضيعها ، في المسند عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” مَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا، كَانَتْ لَهُ نُورًا، وَبُرْهَانًا، وَنَجَاةً مِنَ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهَا، لَمْ يَكُنْ لَهُ نُورُ، وَلَا بُرْهَانُ، وَلَا نَجَاةُ، وَكَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ قَارُونَ، وَفِرْعَوْنَ، وَهَامَانَ، وأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ “.

أيها الأخوة … صلاة الجماعة في المسجد واجبة على كل رجل ، ثبت في صحيح مسلم قول النبي صلى الله عليه وسلم ‏”‏ اِنَّ اَثْقَلَ صَلاَةٍ عَلَى الْمُنَافِقِينَ صَلاَةُ الْعِشَاءِ وَصَلاَةُ الْفَجْرِ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لاَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا وَلَقَدْ هَمَمْتُ اَنْ امُرَ بِالصَّلاَةِ فَتُقَامَ ثُمَّ امُرَ رَجُلاً فَيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ ثُمَّ اَنْطَلِقَ مَعِي بِرِجَالٍ مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ اِلَى قَوْمٍ لاَ يَشْهَدُونَ الصَّلاَةَ فَاُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ ‏”‏.

وفي صحيح مسلم عَنْ اَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ اَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ اَعْمَى فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ اِنَّهُ لَيْسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي اِلَى الْمَسْجِدِ ‏.‏ فَسَاَلَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم اَنْ يُرَخِّصَ لَهُ فَيُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ فَرَخَّصَ لَهُ فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ فَقَالَ: ‏”‏ هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلاَةِ ‏”‏ ‏.‏ فَقَالَ نَعَمْ ‏.‏ قَالَ ‏”‏ فَاَجِبْ ‏”‏ ‏.‏

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود رضي الله عنه قَالَ : مَنْ سَرَّهُ اَنْ يَلْقَى اللَّهَ غَدًا مُسْلِمًا فَلْيُحَافِظْ عَلَى هَؤُلاَءِ الصَّلَوَاتِ حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ فَاِنَّ اللَّهَ شَرَعَ لِنَبِيِّكُمْ صلى الله عليه وسلم سُنَنَ الْهُدَى وَاِنَّهُنَّ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى وَلَوْ اَنَّكُمْ صَلَّيْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ كَمَا يُصَلِّي هَذَا الْمُتَخَلِّفُ فِي بَيْتِهِ لَتَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ ، وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ لَضَلَلْتُمْ ، وَمَا مِنْ رَجُلٍ يَتَطَهَّرُ فَيُحْسِنُ الطُّهُورَ ثُمَّ يَعْمِدُ اِلَى مَسْجِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ اِلاَّ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ خَطْوَةٍ يَخْطُوهَا حَسَنَةً وَيَرْفَعُهُ بِهَا دَرَجَةً وَيَحُطُّ عَنْهُ بِهَا سَيِّئَةً ، وَلَقَدْ رَاَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا اِلاَّ مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ ، وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤْتَى بِهِ يُهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفِّ ‏.‏ رواه مسلم

الصلاة في المساجد مع الجماعة سبب لصلاة الملائكة على المصلي واستغفارهم له ما دام في المسجد قبل الصلاة وبعدها ، كما جاء ذلك صريحا في صحيح البخاري .

على الصلوات الخمس حافظ فإنها               لآكد مفروض على كل مهتـــــــد

فلا رخصة في تركها لمكلـــــــــف              وأول ما عنه يحاســـــــب في غد

بإهمالها يستوجب المـرء قرنــــــه               بفرعون مع هامان في شر مورد

ألا تعلم أخي الكريم أن الله سائلك يوم القيامة ومحاسبك على هذه الصلاة ، وأنك ستقف أمام الجبار جل وعلا يوم القيامة ليس بينك وبينه ترجمان فيسألك عن الصلاة ، فماذا ستجيب ؟

ألا تعلم أن أول ما تحاسب عليه من أعمالك الصلاة ، فإن كنت مذنبا مقصرا ولكنك محافظ على الصلاة فأبشر بالمغفرة وصلاح الأعمال ، وإن جئت بأعمال صالحة كالجبال ولكنك مفرط في الصلاة فأبشر بفساد الأعمال وحبوطها ، صح عند الطبراني عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ العَبْدُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلَاتُهُ، فَإِنْ صَلُحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ ” .

أيها الأخوة .. إنها دعوة صادقة لمجاهدة النفس في المحافظة على صلاة الجماعة مع المسلمين في المساجد ، إنه ليس أمر مخلوق بل هو أمر رب العالمين سبحانه وتعالى ، يدعونا إليه لمقابلته كل يوم خمس مرات ، يدعونا لسماع كلامه ، وتدبر آياته ، ومناجاته ، والوقوف بين يديه بثوب الذلة والانكسار .

إخواني الكرام … لماذا الغفلة عن الصلاة ؟! لماذا التهاون في أداء هذه الفريضة العظيمة ؟! أتعلمون بأن الحد الفاصل بين الإيمان والكفر هو الصلاة ؟!

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلَاةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ!) أخرجه أحمد والترمذي .

نحن مسلمون ولله الحمد ، وشعار الإسلام الصلاة ، فكيف يكون مسلما من لا يصلي؟! ماذا يستفيد الإسلام من مسلمين يدعون الإسلام إذا كانوا يخالفون عن أوامره ، أليسوا كالولد العاق يوافق أهله نسبا ويخالفهم سلوكا ؟ ، وهل يرجى خير من لا يرجو لنفسه الخير ؟!

أخي الحبيب … ألا تخاف من هذه النصوص التي تحذر من ترك صلاة الجماعة والتهاون فيها ؟!  ألا تخاف من رب العالمين خالق السموات والأراضين؟!

لماذا تخاف من المخلوق ولا تخاف من الخالق ؟

لماذا تخاف من شرطي المرور إذا مر أمامك فلا تخالف القانون خوفا منه ؟!

لا أدري كيف يخشى الإنسان شرطيا ولا يخشى خالق الأرض والسماء ؟!

ألا ترى أخي الكريم أن إشارة المرور إذا أضاءت حمراء أوقفت عشرات السيارات بل مئاتها في مكانها فلا تستطيع أن تتجاوزها !

فما بال الناس لا يجرؤون على مخالفة إشارة حمراء ويخالفون أوامر الله تعالى ويتركون أعظم شعيرة من شعائر الإسلام !

هل هذا دليل على تمام عقولهم أم على نقصانها ؟ احكم أنت بنفسك وكن منصفا!

أخي الحبيب … إنها نصيحة صادقة من القلب إلى القلب أوجهها إليك وكلي أمل أن تلقى قلبا واعيا وآذاناً صاغية :

صــلِّ بارك الله فيك في المسجد إن كنت تحب الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم وتريد الجنة ونعيمها .

صــلِّ في المسجد إن كنت عاقلا ، فو الله ما ترك الصلاة في المسجد عاقل واحذر من أن تكون من الذين لا يستعملون عقولهم وحواسهم فيما ينفعهم واحذر من أن تكون ممن قال الله فيهم ( لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ) [الأعراف: 179] .

صــلِّ بارك الله فيك إن كنت حرا كريما ولا تقتد بالناس الغافلين المعرضين عن ذكر الله ولا تغتر بكثرة الهالكين فإن الله يقول ( وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ) [سبأ: 13] ويقول ( إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ ) [ص: 24]  .

صــلِّ في المسجد جزاك الله خيرا إن كنت صادقا في إسلامك ولا تخالف أفعالك أقوالك ، أما تخشى أن تكون من المنافقين ؟! ولست منهم إن شاء الله  .

صــلِّ في المسجد إن كنت تحب نفسك وترجو لها النجاة من عذاب يوم القيامة ، وإياك أن تعاند نفسك وتصر على خطئك فيستحوذ عليك الشيطان فينسيك ذكر الله فتكون من الخاسرين.

فما أعظم الصلاة في المسجد ، وما أعظم فوائدها وفضائلها لو عقلها المسلمون ، وتفكر في منافعها  العاقلون ، وتذكر عظيم أجرها الغافلون ، وعلمها الجاهلون .

WORD PDF

شاهد أيضاً

الحكمة من الزلازل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد … فإن لله سبحانه سننا لا تتغيرُ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *