صفة الحج

الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا ، وأمر بطاعته والاقتداء به فقال : ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ) ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، وعلى آله وأصحابه وكل من أطاعه واتبعه ، وسلم تسليما كثيرا ، أما بعد ..

أيها الأخوة .. اتقوا الله تعالى ، واقتدوا برسوله في جميع عباداتكم وطاعاتكم ، حتى تكون صحيحة مقبولة عند الله ، قال الله تعالى : (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) [النساء: 80] ، وقال تعالى: ( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [آل عمران: 31].

ومن ذلك الاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم في أداء مناسك الحج ، فقد حج صلى الله عليه وسلم وأمر الناس أن يقتدوا به ويفعلوا مثل ما يفعل ، فقال: “خُذُوا عَنِي مَنَاسِكَكَم ” ، أي: تعلموا مني كيف تحجون وتؤدون المناسك ، وذلك بأن تفعلوا مثل ما أفعل ، وهذا كلام جامع استدل به أهل العلم على مشروعية جميع ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم وما قاله في حجه ، وجوبا في الواجبات ، ومستحبا في المستحبات .

أيها الأخوة… أسوق لكم صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم كما ثبتت في حديث جابر في صحيح مسلم وغيره ، سائلا المولى سبحانه أن يتقبل منا جميعا حجنا إنه سميع مجيب .

إذا كان اليوم الثامن من ذي الحجة فاغتسل أيها الحاج وتطيب وأحرم بالحج من مكان نزولك ، وقل لبيك اللهم حجة ،  واخرج إلى منى وصل بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ، كل صلاة في وقتها ، قصرا من غير جمع ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقصر بمنى وفي مكة ولا يجمع.

فإذا طلعت الشمس يوم التاسع من ذي الحجة وهو يوم عرفة ، يسير الحاج ملبيا خاشعا لله تعالى إلى عرفة ، فيجمع فيها بين الظهر والعصر جمع تقديم على ركعتين ، ثم يتفرغ للدعاء والابتهال إلى الله تعالى ، ويحرص على أن يكون على طهارة مستقبلا القبلة ، وهو أفضل وأقرب لإجابة الدعاء . وهذا هو الموقف الأعظم الذي يباهي به الله الملائكة :

فلله ذاك الموقفُ الأعظـــمُ الذي      كموقف يوم العرض بل ذاك أعظم

ويدنو به الجبارُ جل جلالــــــــه       يباهي به أملاكَـــه فهــــــــــو أكرم

يقولُ: عِبادِي قد أَتَونِي مَحَبَّــــةً       وإنِّي بهم بَرٌّ أَجودُ وَأَرحــــــــــــــمُ

فأشهدكم أني غفرت ذنوبَهــــــم       وأعطيتُهم ما أملوه وأُنعـــــــــــــــم

فَبُشرَاكُم يا أَهلَ ذَا المَوقفِ الذِي       بهِ يَغفرُ اللهَ الذُّنُوبَ وَيرحـــــــــــــمُ

فكم من عتيق فيه كمـــل عتقــه       وآخر يستســـــعي وربك أكــــــــرم

فإذا غربت الشمس وتحقق غروبها يدفع الحاج  إلى مزدلفة ملبيا خاشعا يلزم السكينة ما أمكنه ذلك ،  كما أمر بذلك نبينا صلى الله عليه وسلم ، فلقد دفع من عرفة وقد شنق لناقته الزمام حتى أن رأسها ليصيب مورك رحله ، وهو يقول بيده الكريمة: ” أَيُّهَا النَّاسُ: السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ ” .

فإذا وصل الحاج مزدلفة فليصل بها المغرب والعشاء جمعا وقصرا ، ثم يبيت بها إلى الفجر ،  ولم يرخص النبي صلى الله عليه وسلم لأحد في الدفع من مزدلفة قبل الفجر إلا الضعفة من الرجال والنساء ، رخص لهم أن يدفعوا في آخر الليل ، فإذا طلع الفجر صلى الحاج الفجر،  ثم يتجه إلى القبلة ، ويكبر الله تعالى ويحمده ويدعوه حتى يسفر جدا ، ثم يسير قبل طلوع الشمس إلى منى ، ثم يلقط  سبع حصيات ، ويذهب إلى جمرة العقبة وهي الأخيرة التي تلي مكة ، ويرميها بعد طلوع الشمس بسبع حصيات ، يكبر الله  تعالى مع كل حصاة خاضعا له معظما .

واعلم أيها الحاج بأن المقصود من الرمي : تعظيم الله ، وإقامة ذكره ، ويجب أن تقع الحصاة في الحوض ، وليس بشرط أن تضرب العمود.

فإذا فرغت من رمي الجمرة فاذبح الهدي إن كنت متمتعا أو قارنا ، ولا يجزئ في الهدي إلا ما يجزئ في الأضحية ، ولا بأس أن توكل شخصا يذبح لك ، ثم احلق بعد الذبح رأسك أو قصره ، ويجب حلق جميع الرأس أو تقصيره ولا يجوز حلق بعضه دون بعض ، والمرأة تقصر من أطراف رأسها بقدر أنملة.

وَرَاحُوا إلى جَمعٍ فَبَاتُوا بِمَشْعَرِ الـ             حرامِ وصلُّوا الفجرَ، ثم تَقدَّمُوا

إلى الجَمْرَةِ الكُبرى يُريدُونَ رَميهَا             لوقتِ صلاةِ العِيدِ، ثم تَيمَّمُـــوا

منازلهُمْ للنَّحرِ يَبغُونَ فضلَــــــــــهُ             وَإحيَاءَ نُسكٍ من أَبِيْهِم يُعَظَّــــمُ

فلو كان يُرضي اللهُ نحرَ نُفُوسِــهِم             لَدَانُوا به طَوعًا وللأمرِ سلـَّمُوا

كَمَا بَذَلُوا عِندَ الجِهَادِ نُحُورَهُــــــم             لأَعدَائِهِ حتى جَرَى مِنْهُــمُ الدَّمُ

وَلكنَّهُم دَانُوا بوضعِ رُءوســـــــهِم             وذلك ذُلٌّ للعبيدِ ومِيْسَـــــــــــمُ

وبعد ذلك يكون الحاج قد تحلل التحلل الأول ، فيلبس ثيابه ،  ويجوز أن يقص أظفاره ويتطيب ،  لكن لا يأتي امرأته إلا بعد التحلل الثاني ،  ثم ينزل الحاج  قبل صلاة الظهر إلى مكة ، ويطوف طواف الإفاضة ويسعى سعي الحج ،  ثم يرجع إلى منى.

وبالطواف والسعي مع الرمي والحلق ، حل الحاج التحلل الثاني ، وجاز له كل شيء حتى النساء.

ففي ربعهــــــــم لله بيتٌ مبارك           إليه قلوبُ الخلق تهوي وتهواه

يطوف به الجاني فيُغفر ذنبُـــه            ويسقط عنه جرمُـــه وخطايـاه

فكم لذةٍ كم فرحةٍ لطوافــــــــــه           فلله ما أحلــى الطوافَ وأهنـاه

نطوف كأنا في الجنان نطوفها            فلا همٌ لا غــم فذاك نفينـــــــاه

فيا شوقنا نحو الطواف وطيبِه              فذلك شـوقٌ لا يُحاط بمعنــــاه

فمن لم يذقــــــه لم يذق قطُ لذةً             فذقه تذق يا صـاحِ ما أذقنـــاه

أيها الأخوة… إن الحاج يفعل يوم العيد أربعة أنساك : رمي الجمرة ، ثم النحر، ثم الحلق ، ثم الطواف والسعي ، وهذا هو الترتيب الأكمل ، ولكن لو قدم بعضها على بعض ، فحلق قبل الذبح مثلا فلا حرج ، ولو أخر الطواف والسعي حتى نزل من منى فلا حرج ، ولو أخر الذبح وذبح في مكة في اليوم الثاني عشر أو الثالث عشر فلا حرج ، لا سيما مع الحاجة والمصلحة.

ثم يبيت الحاج  ليلة الحادي عشر بمنى ، فإذا زالت الشمس يرمي الجمرات الثلاث ، مبتدئا بالأولى ثم الوسطى ثم العقبة ، كل واحدة بسبع حصيات ، يكبر مع كل حصاة ، يدعو بعد الصغرى والوسطى دعاء طويلا ، ويمتد وقت الرمي من الزوال إلى غروب الشمس ، ويجوز الرمي في الليل إذا كان الزحام شديدا في النهار.

ومن كان لا يستطيع الرمي بنفسه لصغر أو كبر أو مرض ، رجلا كان أو امرأة فله أن يوكل من يرمي عنه ، ولا بأس أن يرمي الوكيل عن نفسه وعمن وكله في مقام واحد ، لكن يبدأ بالرمي لنفسه أولا .

ثم يبيت الحاج ليلة الثاني عشر بمنى ، فإذا زالت الشمس فيرمي الجمرات الثلاث ، مبتدئا بالأولى ثم الوسطى ثم العقبة ، كل واحدة بسبع حصيات ، يكبر مع كل حصاة ، فإذا رمي في اليوم الثاني عشر فقد انتهى الحج ، وهو بالخيار إن شاء تعجل ونزل فطاف للوداع ،  وإن شاء تأخر وهو أفضل ،  فيبيت ليلة الثالث عشر ، ثم يرمي الجمرات الثلاث يوم الثالث عشر بعد الزوال ، ثم يطوف للوداع .

والحائض والنفساء لا وداع عليهما ، ولا يشرع لهما المجيء إلى باب المسجد والوقوف عنده كما يفعل بعض الناس .

ولما دَنَا التَّوديعُ منهم وأيقنُـوا            بأنَّ التَّدانِي حَبلــــــــــُهُ مُتصرِّمُ

ولم يَبقَ إلاَّ وقْفَــــــــةٌ لِمودِّعٍ             فلله أَجْفَانٌ هناكَ تَسَـــــــــــــجُمُ

ولله أكبادٌ هنالــــــك أُوْدِعَ الـ              غَرامُ بها فالنَّارُ فيها تَضــــــرَّمُ

ولله أنفاسٌ يكادُ بِحرِّهَــــــــــا             يَذُوبُ المُحِبُّ المُسْتَهَامُ المُتَيَّـــمُ

فَلَمْ تَرَ إلاَّ بَاهِتًا مُتحيِّــــــــــرًا             وآخرَ يُبدِي شَــــــــــجوَهُ يَترنَّمُ

رَحلتُ وأَشْـواقِي إليكُم مُقِيمَةٌ             ونارُ الأَسَى مِنِّي تُشَبُّ وتُضرمُ

أودِّعكُم والشَّوقُ يَثْنِي أَعِنَّتِـي             وَقَلْبِي أَمْسَـــى في حِمَاكَمْ مُخَيِّمُ

أيها الأخوة .. هذه صفة الحج فاتقوا الله فيه ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا ،  أعوذ بالله من الشيطان الرجيم : ( وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ، لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۖ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ، ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) [الحج: 27-29] .

فَيَا ســــــــــــائقينَ العِيسَ بالله رَبِّكُـم                قِفُوا لي عَلَى تِلْكَ الرُّبُوعِ وسَلِّمُوا

قُولُوا مُحِبٌّ قادَهُ الشَّــــــــوقُ نحوكُم                 قَضَى نحبهُ فيكم تَعيشُوا وتَسلَمُوا

قَضَى الله رَبُّ العَرشِ فيمَا قَضَى بِه                بأنَّ الهَوَى يُعمِي القُلوبَ ويُبْكِـــمُ

وحُبُّكُم أَصـــــــــــــلُ الهُدى ومَدارُهُ                 عليه وفوزٌ للمحبِّ ومَغنَـــــــــــمُ

وَتَفْنَى عِظَامُ الصَّبِّ بَعدَ مَمَاتِـــــــــهِ                 وَأَشـــــــــوَاقُهُ وقفٌ عليه مُحرَّمُ

فَيَا أَيُّهَا القَلْـــــــــبُ الذِي ملكَ الهَوَى                أَزِمَّتَهُ حتى متـــــــــــى ذَا التَّلوُّمُ

وَحَتَّامَ لا تَصْحُـــــو وَقَدْ قَرُبَ المَدَى                وَدُنَّت كُؤوسُ السَّيرِ والنَّاسُ نُوَّمُ

بَلَى سوفَ تَصْحُو حينَ يَنْكَشِفُ الغِطَا               وَيَبْدُو لكَ الأَمْرُ الذي أَنْتَ تَكْتُـــمُ

WORD PDF

شاهد أيضاً

أم الخبائث

الحمد لله والصلاة على رسول الله وبعد .. فيقول الله سبحانه : ( هُوَ الَّذِي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *