صلاة الفجر

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد ..

فإن من أهم هذه الطاعات وأعظمها أجرًا : ركن الإسلام العظيم وأساسه القويم : الصلاة ، وما أدراك ما الصلاة ؟ أولى الفرائض العملية في الدين ، وهي الشعيرة الباقية عبر الرسالات ، الصلاة عبادة تحقق دوام ذكر الله تعالى ، والقربى من جنابه ، وتمثل تمام الطاعة والاستسلام لله رب العالمين ، والتجرد له وحده .

الصلاة تربي النفس على معاني التقوى والإنابة والصبر والتوكل ، وتهيئ المسلم لحياة صالحة بين جماعة المؤمنين .

الصلاة أكبر عون للمؤمن على مصالح دينه ودنياه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) [البقرة: 153] ، إذا داوم المسلم على الصلاة وحافظ عليها قويت رغبته في فعل الخيرات ، وسهلت عليه الطاعات ، وبذل الإحسان بطمأنينة نفس واحتساب ورجاء للثواب ، وتذهب أو تضعف داعيته للمعاصي .

من أكمل الصلاة وأتقنها فقد فاز وسعد ونجح عند لقاء مولاه سبحانه ، ثبت في مسند الطيالسي عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” أوَّلُ ما يحاسَبُ بِهِ العبدُ يومَ القيامةِ الصلاةُ، فإِنْ صلَحَتْ صلَح له سائرُ عملِهِ، وإِنْ فسَدَتْ، فَسَدَ سائرُ عملِهِ ” .

أيها الأخوة من الأمور المؤسفة أن تجد كثيرا من المسلمين لا يحرص على أداء صلاة الفجر في جماعة المسلمين في المسجد .

صلاة الفجر تشكو من قلة المصلين فيها ، مع أنها صلاة مباركة مشهودة ، قال سبحانه : ( أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ) [ الإسراء:78] ، وقد أقسم الله بوقتها فقال سبحانه : ( وَالْفَجْرِ . وَلَيَالٍ عَشْرٍ . وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ) [ الفجر:1-3] .

أيها الأخوة … دونكم بعض الفضائل لهذه الصلاة المباركة لعل الله يحيي قلوبنا ويجعلنا من المحافظين على صلاة الفجر في المسجد :

أولا : صلاة الفجر تعدل قيام ليلة كاملة : في صحيح مسلم عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ” مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا صَلَّى اللَّيْلَ كُلَّهُ ” .

ثانيا : حفظ الله ورعايته لمن صلى الفجر : في صحيح مسلم : “مَنْ صَلَّى صَلاةَ الصُّبحِ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّه، فَلا يَطْلُبنَّكُم اللَّهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ، فَإِنَّهُ مَنْ يَطْلُبْهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ يُدرِكْه، ثُمَّ يَكُبُّهُ عَلَى وجْهِهِ في نَارِ جَهَنَّم ” . وثبت في سنن ابن ماجه عن سمرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ” منْ صَلَّى صَلاةَ الصُّبحِ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّه، فَلا يَطْلُبنَّكُم اللَّهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ ” . وفي رواية الطبراني : ” مَنْ صلَّى الفجر فهوَ في ذِمَّةِ الله، وحِسَابهِ على الله ” .

نعم إنها ذمة الله ، وليست ذمة مخلوق ، إنها ذمة ملك الملوك ، ورب السموات والأرض ، التي تحيط بالمؤمن حماية له في نفسه وولده وماله ودينه وسائر أمره ، فيحس بالطمأنينة في كنف الله وعهده وأمانه في الدنيا والآخرة ، فيشعر بأن عين الله ترعاه .

وإذا العناية لا حظتك عيونهــا     نم فالمخاوف كلهــــن أمان

فاشدد يديك بحبل الله معتصما     فإنه الركن إن خانتك أركان

ثالثا : صلاة الفجر في جماعة نور لك يوم القيامة : ثبت في سنن أبي داود عن بريدة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” بَشِّرِ الْمَشَّائِينَ فِي الظُّلَمِ إِلَى الْمَسَاجِدِ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ” .

والنور على قدر الظلمة ، فمن كثر سيره في ظلام الليل إلى صلاة الفجر عظم نوره ، وعم ضياؤه ، يوم القيامة ، يقول سبحانه : (يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) [ الحديد:12] .

رابعًا : دخول الجنة لمن حافظ على صلاة الفجر : في الصحيحين عن أبي موسى رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” منْ صلَّى الْبَرْديْنِ دَخَلَ الْجنَّةَ . وفي صحيح مسلم عن عمارة بن رويبة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ” لَنْ يلجَ النَّار أَحدٌ صلَّى قبْلَ طُلوعِ الشَّمْس وَقَبْل غُرُوبَها ” . يعني الفجر والعصر.

خامسا : فضل سنة الفجر : في صحيح مسلم ن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” رَكْعتا الفجْرِ خيْرٌ مِنَ الدُّنيا ومَا فِيها ” . فإذا كان هذا شأن سنة الفجر القبلية فما ظنكم بفضل فريضة الفجر .

أيها الأخوة … هذا هو فضل صلاة الفجر ، وينبغي أن نعلم بأن من يهمل ويتكاسل عن صلاة الفجر في جماعة بلا عذر فله عقوبات في الدنيا والآخرة ومنها:

أولا : الاتصاف بصفات المنافقين : قال سبحانه : (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا ) [ النساء:142] ، في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” اِنَّ اَثْقَلَ صَلاَةٍ عَلَى الْمُنَافِقِينَ صَلاَةُ الْعِشَاءِ وَصَلاَةُ الْفَجْرِ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لاَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا وَلَقَدْ هَمَمْتُ اَنْ امُرَ بِالصَّلاَةِ فَتُقَامَ ثُمَّ امُرَ رَجُلاً فَيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ ثُمَّ اَنْطَلِقَ مَعِي بِرِجَالٍ مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ اِلَى قَوْمٍ لاَ يَشْهَدُونَ الصَّلاَةَ فَاُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ ” .

وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : ” مَنْ سَرَّهُ اَنْ يَلْقَى اللَّهَ غَدًا مُسْلِمًا فَلْيُحَافِظْ عَلَى هَؤُلاَءِ الصَّلَوَاتِ حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ فَاِنَّ اللَّهَ شَرَعَ لِنَبِيِّكُمْ صلى الله عليه وسلم سُنَنَ الْهُدَى وَاِنَّهُنَّ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى وَلَوْ اَنَّكُمْ صَلَّيْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ كَمَا يُصَلِّي هَذَا الْمُتَخَلِّفُ فِي بَيْتِهِ لَتَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ ، وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ لَضَلَلْتُمْ ، وَمَا مِنْ رَجُلٍ يَتَطَهَّرُ فَيُحْسِنُ الطُّهُورَ ثُمَّ يَعْمِدُ اِلَى مَسْجِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ اِلاَّ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ خَطْوَةٍ يَخْطُوهَا حَسَنَةً وَيَرْفَعُهُ بِهَا دَرَجَةً وَيَحُطُّ عَنْهُ بِهَا سَيِّئَةً ، وَلَقَدْ رَاَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا اِلاَّ مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ ، وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤْتَى بِهِ يُهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفِّ ” .

ثانيا : الويل لمن استهان بصلاة الفجر : قال سبحانه : ( فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ . الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ) [ الماعون:4-5] ، وقال سبحانه : (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ) [ مريم:59] .

والغي واد في جهنم ، وهو جزاء من اتبع هواه فأضاع الصلاة ، وسهى عنها ، وقدم الراحة والنوم عليها .

ثالثا : عذاب القبر لمن لا يحافظ على صلاة الفجر : في صحيح البخاري عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال قال : ” رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل الطويل : ” …. أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ وَإِذَا آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِصَخْرَةٍ وَإِذَا هُوَ يَهْوِي بِالصَّخْرَةِ لِرَأْسِهِ فَيَثْلَغُ رَأْسَهُ فَيَتَهَدْهَدُ الْحَجَرُ هَا هُنَا فَيَتْبَعُ الْحَجَرَ فَيَأْخُذُهُ فَلَا يَرْجِعُ إِلَيْهِ حَتَّى يَصِحَّ رَأْسُهُ كَمَا كَانَ ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ الْمَرَّةَ الْأُولَى … ثم قال جبريل : أَمَّا الرَّجُلُ الْأَوَّلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يُثْلَغُ رَأْسُهُ بِالْحَجَرِ فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَأْخُذُ الْقُرْآنَ فَيَرْفُضُهُ وَيَنَامُ عَنْ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ ” .

رابعا : بول الشيطان على من ينام عن صلاة الفجر : في الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه قال ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم رجل نام ليلة حتى أصبح قال : ”  ذَاكَ رَجُلٌ بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنِهِ ” .

خامسا : الخمول والكسل سائر اليوم : في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ علَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إذَا هو نَامَ ثَلَاثَ عُقَدٍ يَضْرِبُ كُلَّ عُقْدَةٍ عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ، فَارْقُدْ فَإِنِ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللَّهَ، انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فإنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فإنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فأصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ وإلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ ” .

فيا أخي الكريم .. كن من رجال الفجر وأهل صلاة الفجر ، أولئك الذين ما إن سمعوا النداء يدوي الله أكبر حي على الصلاة : هبوا من النوم وفزعوا وإن طاب المنام ، وتركوا الفراش وإن كان وثيرا ، ملبين لنداء ربهم ، فخرج الواحد منهم إلى بيت من بيوت الله تعالى محبا مشتاقا للقاء ربه ، محتسبا الأجر الثواب .

فما ظنكم برجل خالف هواه وخرج في هذا الوقت المظلم ، لم تخرجه دنيا يصيبها ولا أموال يقترفها ، هو أقرب إلى السعادة ، يعيشها بنور الله تعالى حين لا ينفك النور عنه طرفه عين في دنياه وأخراه .

احرص على صلاة الفجر في المسجد فنم مبكرا ، ولا تأكل كثيرا قبل النوم ، واحرص على آداب النوم كاملة قبل أن تنام ، ابتعد عن المعاصي صغيرها وكبيرها ، استشعر حلاوة الأجر واصبر على مرارة الصبر ، فمن عرف حلاوة الأجر هانت عليه مرارة الصبر ، والعاقل الفطن له في كل ما يرى حوله عبرة ، فمن سهر الليالي بالطاعة  بلغ المعالي ، ومن استأنس بالرقاد استوحش يوم المعاد ، ألا إن سلعة الله غالية ، ألا إن سلعة الله الجنة .

فيا عبد الله .. لا تفرط في الصلاة عامة ، وصلاة الفجر خاصة ، وشمر عن ساعد الجد واستعن بالله ، وسيعينك ربك سبحانه ويوفقك .

WORD PDF

شاهد أيضاً

أم الخبائث

الحمد لله والصلاة على رسول الله وبعد .. فيقول الله سبحانه : ( هُوَ الَّذِي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *