الرئيسية / الخطب المكتوبة / الفقه / .. حوادث المرور ..

.. حوادث المرور ..

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد …

فإن الإسلامَ دينُ الرحمة ، وتتجلى رحمةُ الإسلام في مقاصده العظيمة ، وقواعدِه الجليلة ، ونظمِه الفريدة ، وأخلاقِه النبيلة .

ولتحقيق هذه الرحمة جاء الإسلامُ بحفظ الضروريات الخمسِ التي لابد منها في قيام مصالح الدين الدنيا ، بحيث إذا فُقدت لم تجر مصالحُ الدنيا على استقامة ، بل على فساد وتهارجٍ واضطرابٍ وفوتِ حياة ، وفي الآخرة فوتُ النجاة والنعيم ، والرجوعُ بالخسران المبين ، وهذه الضروريات الخمس هي : الدينُ والنفس والعقل والمال والعرض .

وإن من أعظم هذه الضروريات وأهمِها بعد حفظ الدين : حفظُ النفس ، فقد عنيت الشريعةُ الإسلامية بالنفس عنايةً فائقة ، فشرعت من الأحكام ما يحققُ لها المصالح ، ويدرأُ عنها المفاسد ، وذلك مبالغةً في حفظها ، وصيانتِها ، ودرءِ الاعتداء عليها .

لقد وضعت الشريعةُ الإسلامية تدابيرَ عديدةً ، كفيلةٌ بإذن الله بحفظ النفس من التلف والتعدي عليها ، بل سدت الطرقَ المفضيةَ إلى إزهاقها أو إتلافها أو الاعتداء عليها ، وذلك بسد الذرائع المؤدية إلى القتل .

ومن ذلك : تحريمُ قتل الإنسان نفسَه بالانتحار ، ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ في نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فِيهِ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيها أَبَدًا، وَمَنْ تَحَسَّى سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَسُمُّهُ في يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ في نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فيها أَبَدًا، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَديدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ في يَدِهِ يَجَأُ بِها في بَطْنِهِ في نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيها أَبَدًا ” .

ومن ذلك أيضا : النهيُ عن قتال المسلم ، ففي الصحيحين عن أبي بكرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” إِذَا تَوَاجَهَ الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا ، فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ ” . وفي رواية : ” إذ إِذَا الْمُسْلِمَانِ حَمَلَ أَحَدُهُمَا عَلَى أَخِيهِ السِّلَاحَ ، فَهُمَا عَلَى جُرْفِ ( جانب ) جَهَنَّمَ ، فَإِذَا قَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ دَخَلَاهَا جَمِيعًا ” . فقيل : يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ ؟ قَالَ : إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ ” .

وفي الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” سِباب المُسْلِمِ فُسوقٌ، وقِتَالُهُ كُفْرٌ ” .

ومن ذلك أيضا : النهيُ عن الإشارة بالسلاح ونحوه إلى مسلم ، ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” لاَ يشِرْ أحَدُكُمْ إلَى أخِيهِ بِالسِّلاَحِ، فَإنَّهُ لاَ يَدْرِي لَعَلَّ الشَّيْطَانَ يَنْزِعُ فِي يَدِهِ، فَيَقَعَ فِي حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ ” . وفي رواية مسلم قال صلى الله عليه وسلم : ” مَنْ أشارَ إلَى أخيهِ بِحَدِيدَةٍ، فَإنَّ المَلائِكةَ تَلْعنُهُ حتَّى يَنْزِعَ، وإنْ كَان أخَاهُ لأبِيهِ وأُمِّهِ ” .

أيها الأخوة … إن الحفاظَ على الأرواح من أغلى المطالب إن لم يكن أعلاها ، والإنسانُ أكرمُ المخلوقات على الله سبحانه ، فقد خلقه وكرمه وفضله على غيره من المخلوقات ، قال سبحانه : ( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ) [ الأسراء : 70 ] .

إن النفسَ البشريةَ ليست ملكت لصاحبها ، وليست ملكا لأحد من الناس ، وإنما هي ملكٌ لله سبحانه وحده ، ومن أجل ذلك حرم الله تعالى الاعتداءَ عليها حتى من صاحبها ، فقال سبحانه : ( وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) [ البقرة : 195 ] ،  وقال عز وجل : ( وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا . وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ) [ النساء:29-30] ، وقال سبحانه : ( مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ) [ المائدة : 32 ] .

إن التساهلَ في إزهاق أرواح الناس خطبٌ عظيم ، وأمرٌ جلل ، فإن قتلَ المسلم من أعظم الذنوب عند الله ، ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” اجتَنبوا السَّبعَ الموبقاتِ . قالوا : يا رسولَ اللهِ : وما هنَّ ؟ قال : الشِّركُ باللهِ ، والسِّحرُ ، وقتلُ النَّفسِ الَّتي حرَّم اللهُ إلَّا بالحقِّ ، وأكلُ الرِّبا ، وأكلُ مالِ اليتيمِ ، والتَّولِّي يومَ الزَّحفِ ، وقذفُ المحصَناتِ المؤمناتِ الغافلاتِ “.

وفي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” لَنْ يَزَالَ المُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ، مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا ” . وقال ابن عمر رضي الله عنهما : إن من وَرَطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها : سفكُ الدم الحرام بغير حله .

وثبت في سنن ابن ماجه عن البراء بن عازب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” لزوالُ الدُّنيا أهونُ على اللهِ من قتلِ مؤمنٍ بغيرِ حقٍّ ” . وفي رواية : ” وَلو أنّ أَهْل سماواته وأَهْل أرْضِه اشتَرَكُوا فِي دَم مُؤْمِن لأدخلَهُم الله النّار ” .

وثب في سنن ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالكعبة ويقول : ” مَا أَطْيَبَكِ وَأَطْيَبَ رِيحَكِ مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَحُرْمَةُ الْمُؤْمِنِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ حُرْمَةً مِنْكِ مَالِهِ وَدَمِهِ “.

وإذا كان هذا شأنُ المؤمن ، فما بالُ كثيرٍ من الناس يتساهلُ في هذا الأمر العظيم ، فيقتلُ نفسَه بالانتحار ، أو يقتلُ إخوانَه المسلمين عمدا ، أو يتسببُ في قتلهم ، أو يتساهلُ ويفرطُ فيقتلُهم خطأً .

إن النفسَ ملكُ لله تعالى فيجب المحافظةُ عليها ، ويجب صيانتُها ، ويحرمُ التعدي عليها سواءً بالمباشرة أو بالتسبب ، أو بالتساهل والتفريط الذي يؤدي إلى إزهاق الأرواح ، وخصوصا ما يحصل في الطرقات من بعضِ المتهورين ممن يقودُ سيارتَه بسرعةِ جنونية ، أو لم يتقيد بقواعد المرور ، فيؤدي هذا إلى ما يحمد عقباه .

أيها الأخوة …هذه هي النفسُ البشرية التي دعا ربنُا سبحانه بالمحافظة عليها وعدم إهلاكها ، ومع وضوح ذلك وجلائه ، إلا أننا وللأسف الشديد نجدُ من أبناء المسلمين من يمارسُ أفعالا تُلقي بالنفس إلى التهلكة ، وذلك بالتساهل في قيادة المركبات والسيارات بسرعة جنونية ، ودون التقيد بقوانين المرور ، فترى أرواحا تُزهق ، ونساءً تُرمل ، وأسرا تفنى ، وأطفالا تُيتم ، وأمراضا مزمنة ، وإعاقاتٍ مستديمة .

ترى منشآتٍ تُهدم ، ومُنجَزاتٍ تتلف ، وآلافَ الملايين من الدنانير تُهدر ، فواجعُ تصل إلى الهلع ، وخسائرُ تصل إلى حد الإفلاس ، أطفالٌ في مستقبل الحياة ، وشبابٌ في نضرة العمر .

ما حاله وقد فقد عائلتَه ، وما حالُ المرأةِ وقد فقدت من يرعاها وأطفالها ، وما حالُ الوالدين وقد زهقت روحُ شابِهما اليافع ، وحبيبِهما الأمل .

ما حالُ الأسرة وقد حل بها معاق ، علاجُه مكلف ، والكدُ عليه مرهق ، أصبح مقعدا عاجزا ، عالةً على أهله ومجتمعه ودولته .

حسرةٌ في القلوب ، بسبب ماذا ؟ بسبب فعل متهور ، وتصرف طائش ، وعملٍ غير مسئول .

ماذا يبقى إذا هانت الأرواحُ واستُرخصت الدماء ، وإلى أي هاويةٍ هؤلاء ينحدرون ، لقد فاضت نفوسٌ زكية ، ودماءٌ بريئة ، فمتى يهتدي الضالون ، ومتى يستفيق الغافلون .

أيها الأخوة … كلُ هذه المصائب ، وكلُ هذه المآسي راجعةٌ إلى الإخلال بحق الطريق ، والتفريطِ في آداب المسير ، والإهمالِ في قواعد المرور .

إن الطريقَ لم يوضع من أجل أن يتصرفَ فيه المتهورون بسياراتهم كيف يشاؤون ، متجاوزين الأخلاقَ الحسنة والصفاتِ النبيلة .

إن الطريقَ هي مسالكُ الناس إلى شؤونهم ومعابرهم ، إلى قضاء حوائجهم ، وهي دروبُهم في تحركاهم ، وتحصيلِ منافعهم ، هي سبيلُهم إلى أسواق التجارة وكسبِ المعاش ، وهي منافذُهم إلى المعاهد والمدارس ودورِ العلم والعبادة .

أيها الأخوة … إن عامةَ أسباب الحوادث يمكن تلافيها ، فمنها تسليمُ السيارات لصغار السن أو أطفالِ العقول ، والواجبُ علينا أن نكون حازمين صارمين على من ولانا اللهُ رعايتَهم ، فنمنعُهم من القيادة إن رأينا منهم عبثا وتهورا .

ومن أسبابِ الحوادث النعاسُ أثناءَ القيادة الذي قد يؤدي إلى النوم ، وهو أمر ممكن تلافيه بالوقوف والنوم والراحة ثم إكمال المسير . ومن أسبابها كتابة الرسائل أثناء القيادة ، وهو ما انتشر بشكل ظاهر وتسبب في حوادثَ أليمة .

ومن أسباب الحوادث مجاوزةُ السرعة القانونية التي تُفقد السيطرةَ على السيارة ، فيسرع قائدُ السيارة سرعةً جنونيةً لسبب أو بغير سبب فيحصلُ ما لا يُحمد عقباه ، بينما لو تأنى قليلا ولم يسرع لوصل إلى مراده وسلم ، وسلِم الناس منه ، ففي التأني السلامة ، وفي العجلة الندامة .

ثبت في مسند أبي يعلى عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” التَّأَنِّي مِنَ اللَّهِ وَالْعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ ” .

أيها الأخوة … إن العاقلَ من اعتبر بغيره من الحوادث ، وما نتجت عنه من قتل وإعاقة وبذل أموال ، وتيتم أطفال ، وترمل نساء ، فلنتقي الله ولنعتبر بما نشاهده يوميا من حوادث مؤلمة ، وفواجع محزنة .

WORD PDF

شاهد أيضاً

أم الخبائث

الحمد لله والصلاة على رسول الله وبعد .. فيقول الله سبحانه : ( هُوَ الَّذِي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *