أ.د. عادل المطيرات

اهلاَ ومرحباَ بكم فى الموقع الرسمى لفضيلة الشيخ أ.د . عادل المطيرات

أحب الناس إلى الله

  • اسم الكاتب : adel
  • اسم القسم :
  • تاريخ الإضافة : 23 / 01

فقد اصطفى الله سبحانه من خلقه أناسا أحبهم فجعلهم للحق دليلا ، وللخير منارا وسبيلا ، يفتح بهم أبواب الخير ، ويغلق بهم أبواب الشر ، ثبت في سنن ابن ماجه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ مِنَ النَّاسِ مَفَاتِيحَ لِلْخَيْرِ، مَغَالِيقَ لِلشَّرِّ، وَإِنَّ مِنَ النَّاسِ مَفَاتِيحَ لِلشَّرِّ مَغَالِيقَ لِلْخَيْرِ، فَطُوبَى لِمَنْ جَعَلَ اللَّهُ مَفَاتِيحَ الْخَيْرِ عَلَى يَدَيْهِ، وَوَيْلٌ لِمَنْ جَعَلَ اللَّهُ مَفَاتِيحَ الشَّرِّ عَلَى يَدَيْهِ».

فهؤلاء قد سبقوا إلى المحبة الإلهية ، وفازوا بالسعادة الأبدية ، فإن الله تعالى إذا أحب عبدا أمر أهل السماء بحبه ، وكتب له القبول في الأرض ، في صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” إِنَّ اللهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ، قَالَ: فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي السَّمَاءِ فَيَقُولُ: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، قَالَ ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ “.

أيها المسلمون ..إن محبة الله للعبد غاية عظمى ينبغي للمسلم أن يحرص على الوصول إليها ، وهناك أمور كثيرة تجلب محبة الله سبحانه وتعالى.

منها : التقرب إلى الله بأداء النوافل بعد الفرائض ، إن من عباد الله عبادًا أدوا فرائض الله تعالى وأتقنوها ، وزادوا عليها النوافل فأحسنوها ، فأحبهم الله سبحانه وأحبوه ، في صحيح البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” إِنَّ اللَّهَ قَالَ : مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ “.

والنوافل هي ما عدا الفرائض التي افترضها الله سبحانه على عباده ، وهي عامة ، تشمل أجناس الطاعات ، من نوافل الصيام والصلاة والزكاة والحج والأذكار ، وغيرها من الطاعات والقربات ، فتشمل كل ما ندب الله تعالى إليه من غير إيجاب أو فرض .

أيها المسلمون .. ومن أسباب نيل محبة الله سبحانه التحلي بغنى النفس ، وأن يكون المسلم تقي القلب ، منشغلا بإصلاح نفسه ، زاهدا في الدنيا ، راغبا في الآخرة ، في صحيح مسلم عن سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ رضي الله عنه سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ التَّقِيَّ، الْغَنِيَّ، الْخَفِيَّ» . وثبت في سنن ابن ماجه عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ، قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا أَنَا عَمِلْتُهُ أَحَبَّنِي اللَّهُ وَأَحَبَّنِي النَّاسُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللَّهُ، وَازْهَدْ فِيمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ يُحِبُّكَ النَّاسُ».         إن في الدنيا عبادا فطنا        تركوا الدنيا وخافوا الفتنا

نظروا فيها فلما علمـوا       أنها ليســــــت لحي وطنا

جعلوها لجــــة واتخذوا       صالح الأعمال فيها سفنا

عباد الله .. ومن موجبات محبة الله تعالى : أن تحب المؤمنين المحبين الصادقين ، وأن تحرص على مجالستهم ، فمن أراد أن ينال محبة الله تعالى فعليه بمحبة أولياء الله تعالى ، ثبت في الموطأ عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ” قال الله تبارك وتعالى : وجبت محبتي للمتحابين في ، وللمتجالسين في ، وللمتزاورين في ، وللمتباذلين في ” .

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : ” أن رجلا زار أخا له في قرية أخرى ، فأرصد الله على مدرجته ملكا ، فلما أتى عليه قال : أين تريد ؟ قال : أريد أخا لي في هذه القرية ، قال : هل لك عليه من نعمة تربها ؟ قال : لا ، غير أني أحبه في الله ، قال : فإني رسول الله إليك إن الله قد أحبك كما أحببته فيه “.

إن مجالسة الصالحين لها فوائد كثيرة ، فهي تنقل  المسلم من الشك إلى اليقين ، ومن الرياء إلى الإخلاص ، ومن الغفلة إلى الذكر ، ومن الرغبة في الدنيا إلى الرغبة في الآخرة ، ومن الكبر إلى التواضع ، ومن سوء الطوية إلى النصيحة .

يقول عمر بن الخطاب رضى الله عنه : ( عليك بإخوان الصدق تعش فى أكنافهم ، فإنهم زينة فى الرخاء وعدة فى البلاء ، وضع أمر أخيك على أحسنه حتى يجيئك ما يقليك منه ، واعتزل عدوك ، واحذر صديقك إلا الأمين ، ولا أمين إلا من يخشى الله ، ولا تصحب الفاجر فتتعلم من فجوره ، ولا تطلعه على سرك ، واستشر فى أمرك الذين يخشون الله تعالى ) .

إن من أعظم ثمرات المحبة في الله أن المتحابين في الله تدوم محبتهم في الدنيا والآخرة ، ودليل ذلك قوله تعالى : ( الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ ) [ الزخرف : 67]  ، يقول ابن كثير : ( أي : كل صداقة وصحابة لغير الله فإنها تنقلب يوم القيامة عداوة إلا ما كان لله ، عز وجل ، فإنه دائم بدوامه ).

إخوة الإيمان ..ومن أسباب نيل محبة الله ، وهو من أعظم أسباب السعادة والراحة النفسية : أن تحسن إلى الناس وتقوم بخدمتهم وقضاء حوائجهم ، وتدخل السرور عليهم .

ربنا سبحانه يحب أقواما نذروا أنفسهم وأعمارهم وأوقاتهم وأموالهم في سبيل خدمة الناس ، وقضاء حوائجهم ، وإيصال الخير لهم ، وكف الشر عنهم ، ينفسون الكروب عن المكروبين ، ويمسحون دموع الثكالى واليتامى والمحزونين ، يطعمون الجائع ، ويغيثون الملهوف ، ويكسون العاري ، ويجبرون المنكسر ، فطوبى لهم ، ويا بشراهم عند ربهم سبحانه :

وتأملوا معي حفظكم الله ما جاء في سنة النبي صلى الله عليه وسلم من أحاديث ترغب في الإحسان إلى الخلق ومساعدتهم وإعانتهم ، مما يجعل الإنسان حريصا على مساعدة إخوانه المسلمين ومعاونتهم ابتغاء الأجر والثواب من الله تعالى .

من ذلك ما صح في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه “، فانظر كيف كان الله تعالى في عون العبد يحفظه بحفظه ويكلؤه برعايته ويعينه في أمور دينه ودنياه ، كل ذلك إذا كان العبد في عون أخيه ، فما أعظم أن يكون العبد معينا لإخوانه محسنا إليهم محتسبا للأجر والثواب من الله تعالى.

ومن ذلك ما صح عند الطبراني عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله أي الناس أحب إلى الله ؟ فقال : ” أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس ، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل : سرور تدخله على مسلم : تكشف عنه كربة : أو تقضي عنه دينا : أو تطرد عنه جوعا : ولأن أمشي مع أخ في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد – يعني مسجد المدينة – شهرا ، ومن كظم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه يوم القيامة رضى ، ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى يقضيها له ثبت الله قدميه يوم تزول الأقدام ” .

وهذا من الأحاديث العجيبة التي تبين فضل الإحسان إلى الخلق والمشي في حاجاتهم ، وأن أجر ذلك عظيم وثوابه جزيل لا يقدره إلا الرب تبارك وتعالى.

أيها المسلمون .. لقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم المثل والأنموذج الأعلى في الحرص على قضاء حوائج الناس ، وخاصة الضعفاء والأرامل ، في صحيح البخاري عن أنس رضي الله عنه قال : كانت أمة من إماء أهل المدينة تأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنطلق به حيث شاءت .

وفي صحيح مسلم عن أنس رضي الله عنه أن امرأة كانت في عقلها شيء فقالت : يا رسول الله إني لي إليك حاجة فقال : ” يا أم فلان انظري أي السكك شئت حتى أقضي لك حاجتك ” فخلا معها في بعض الطرق حتى فرغت من حاجتها .

ولقد فقه التابعي الجليل الحسن البصري هذا المفهوم العظيم ، فبعث قومًا من أصحابه في قضاء حاجة لرجل وقال لهم : مرّوا بثابت البناني فخذوه معكم ، فأتوا ثابتًا فقال : أنا معتكف ، فرجعوا إلى الحسن فأخبروه فقال : قولوا : يا أعمش، أما تعلم أن مشيك في حاجة أخيك المسلم خير لك من حجة بعد حجة ؟ فرجعوا إلى ثابت، فترك اعتكافه وذهب معهم.

إن خدمة الناس ومساعدتهم وقضاء حوائجهم عمل عظيم ، إن من يساعد الناس ويعمل على قضاء حوائجهم يعمل عملا جليلا ، يغرس في نفوس المحتاجين الأمل في أن الأخوة الإيمانية ما زالت قائمة ، وأن المروءة ما زالت حية في نفوس الرجال ، وأن التعاون والمحبة والتراحم من صفات خير أمة أخرجت للناس .

الناس بالناس ما دام الحياءُ بهـــــم    والعسرُ واليســـــــــــــــــر أيامٌ وساعات

وأسعدُ الناس من بين الورى رجلٌ    تُقضــــــــــــــــى على يده للناس حاجات

كم مات قوم وما ماتت مكارمــهم      وعاش قوم وهـــــــــــم في الناس أموات

التعليقات مغلقة.